بمسامحة أو إسقاط أصحابها كما هو معروف، فقد قرر الفقهاء أن حقوق الآدميين لا تسقط بالتوبة ما لم ترد المظالم لأصحابها، كما أنه لا يغفرها الباري سبحانه إلا بمغفرة صاحبها، ولا يسقطها إلا بإسقاطه [1] .
وسيأتي مزيد بيان لموضوع إسقاط العقوبات بالتوبة.
ثالثًا ـ هل الحدود زواجر أو جوابر؟ إن المقصود من مشروعية الحدود والتعزيرات هو زجر الناس وردعهم عن ارتكاب المحظورات وترك المأمورات، دفعًا للفساد في الأرض ومنعًا من إلحاق الضرر بالأفراد والمجتمعات [2] . ولكن الفقهاء اختلفوا في أمر آخر: وهو أنه، هل تتكرر العقوبة على الجاني في الآخرة، مع أن العقوبة استوفيت منه في الدنيا؟
قال الحنفية: إن الحدود والتعزيرات شرعت فقط زجرًا لأرباب المعاصي من إفساد العلاقات الزوجية، وإضاعة الأنساب، وإتلاف الأعراض والأموال والعقول والنفوس، ولا يحصل التطهر من الذنب في الآخرة إلا بتوبة الجاني. واستدلوا بعموم آيات العقاب التي تدل على أن المذنب يستحق العقاب في النار، مثل قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها} [النساء:93/ 4] ومثل قوله سبحانه في قطاع الطرق بعد أن ذكر عقابهم المعروف: {ذلك لهم خزيٌ في الدنيا، ولهم في الآخرة عذابٌ عظيمٌ} [المائدة:33/ 5] فقد أخبر
(1) أحكام القرآن لابن العربي: 600/ 2، تفسير القرطبي: 200/ 18.
(2) راجع الأحكام السلطانية للماوردي: ص 213، فتح القدير: 112/ 4، تبيين الحقائق للزيلعي: 163/ 3.