وكذلك الجماعة ليست بشرط، فيصح أمان الواحد.
ويوافق الحنفيةَ في أغلب هذه الحالات: جمهورُ الفقهاء والشيعة الإمامية والزيدية والإباضية، فهم يرون أن الأمان يصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار، ولو كان عبدًا لمسلم أو كافر، أو فاسقًا، أو محجورًا عليه لسفه أو تفليس، أو امرأة، أوأعمى، أو مقعدًا أو زَمِنًا أو مريضًا أو خارجًا على الإمام؛ لأن الخوارج مسلمون، قال علي رضي الله عنه: «إخواننا بغوا علينا» .
والأدلة لما ذكر من القرآن والسنة والمعقول هي ما يأتي:
أما القرآن فقوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة:6/ 9] والنص عام يشمل كل مسلم، وكل مستأمن أو معاهد يريد سماع القرآن الكريم أو المفاوضة مع المسلمين لأمور سياسية أو حربية أو أمنية أو تجارية.
وأما السنة: فقول الرسول صلّى الله عليه وسلم: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا» [1] ، وفي رواية «المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم» [2] ، وقد أنفذ الرسول صلّى الله عليه وسلم أمان أم هانئ
(1) الصرف: التوبة أو الحيلة، والحديث أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجه عن علي بن أبي طالب، وأخرج البخاري نحوه عن أنس بن مالك، وأخرجه مسلم أيضًا عن أبي هريرة، وأخرجه غيرهم (راجع نصب الراية: 393/ 3 وما بعدها، صحيح البخاري: 102/ 4، القسطلاني: 229/ 5، 236، منتخب كنز العمال في مسند أحمد: 295/ 2، نيل الأوطار: 28/ 8، مجمع الزوائد: 283/ 6، 329/ 5) .
(2) معنى الحديث: أن المسلمين يتساوون في القصاص والديات، لا فضل لشريف على وضيع، وإذا أعطى أدنى رجل منهم أمانًا فليس للباقين نقضه، ومعنى «وهم يد» أي يتناصرون على الملل المحاربة لهم.