أحب أن لي بكلمة رسول الله صلّى الله عليه وسلم حُمْر النعم». وقال الزهري حينما سئل عن المؤلفة قلوبهم: هم من أسلم من يهودي أو نصراني، وإن كان غنيًا [1] .
تدل هذه الأحاديث وغيرها دلالة واضحة على أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يعطي بعض الكفار ومن لم يرسخ الإيمان في قلبه من الزكاة مال الله عز وجل. ثم امتنع أبو بكر وعمر رضي الله عنهما من إعطاء المؤلفة قلوبهم، أما أبو بكر فامتنع من إعطاء أبي سفيان وعيينة والأقرع وعباس بن مرداس، وقال عمر: «إنا لا نعطي على الإسلام شيئًا، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر» .
وفي ضوء هذا الواقع برز خلاف بين العلماء في مدى بقاء سهم المؤلفة قلوبهم، هل ما زال باقيًا لم ينسخ، أو أنه نسخ بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وسلم؟
انقسم العلماء في هذا الشأن فريقين: فريق يقول بالنسخ: وأنه لا سهم لأحد في الصدقة المفروضة إلا لذي حاجة إليها. وفريق آخر يقول بأن حكم المؤلفة باق لم ينسخ، فهم في كل زمان ولهم حق في الصدقات [2] .
ويحتاج الأمر إلى إيراد آراء المذاهب، كل مذهب على حدة، لوجود الخلاف أحيانًا في المذهب الواحد، ووجود تفصيل في بعض المذاهب.
ذهب الحنفية [3] إلى سقوط سهم المؤلفة قلوبهم، وانتساخ سهمهم وذهابه بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وسلم، إما لزوال علة الحكم وهي إعزاز الدين والحاجة إليهم في صدر الإسلام حال ضعف المسلمين، فبعد أن اعتز الإسلام زالت الحاجة، فهو من قبيل انتهاء الحكم لانتهاء علته
الغائية التي كان لأجلها الدفع أو الإعطاء، فإن الدفع
(1) تفسير الطبري: 112/ 10.
(2) المرجع السابق: ص 113.
(3) البدائع: 44/ 2، رد المحتار على الدر المختار: 82/ 2 - 83، فتح القدير مع الهداية: 2/ 41.