ظهرت دعوات جديدة في عصرنا تمنع تعدد الزوجات إلا بإذن القاضي، ليتأكد من تحقق ما شرطه الشرع لإباحة التعدد، وهو العدل بين الزوجات والقدرة على الإنفاق؛ لأن الناس وخصوصًا الجهلة أساؤوا استعمال رخصة التعدد المأذون بها شرعًا لغايات إنسانية كريمة. لكن تولى المخلصون دحض مثل هذه الدعوات لأسباب معقولة هي ما يأتي [1] :
1 -إن الله سبحانه وتعالى أناط بالراغب في الزواج وحده تحقيق شرطي التعدد، فهو الذي يقدر الخوف من عدم العدل، لقوله تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا، فواحدة} [النساء:3/ 4] فإن الخطاب فيه لنفس الراغب في الزواج، لا لأحد سواه، من قاض أوغيره، فيكون تقدير مثل هذا الخوف من قبل غير الزوج مخالفًا لهذا النص. وكذلك البحث في توافر القدرة على الإنفاق، فإنه منوط بالراغب في الزواج، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج .. » فهو خطاب للأزواج، لا لغيرهم.
2 -إن إشراف القاضي على الأمور الشخصية أمر عبث، إذ قد لا يطلع على السبب الحقيقي، ويخفي الناس عادة عنه ذلك السبب، فإن اطلع على الحقائق، كان اطلاعه فضحًا لأسرار الحياة الزوجية، وتدخلًا في حريات الناس، وإهدارًا لإرادة الإنسان، وخوضًا في قضايا ينبغي توفير وقت القضاة لغيرها، ومنعًا وأمرًا في غير محله، فالزواج أمر شخصي بحت، يتفق فيه الزوجان مع أولياء المرأة، لا يستطيع أحد تغيير وجهته، وتبديل قيمه. وإن أسرار البيت المغلقة لا يعلم بها أحد غير الزوجين.
(1) الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية، للأستاذ الشيخ زكي الدين شعبان: ص 196 وما بعدها.