فأجبر الناس المجاورين للمسجد على بيع دورهم المحيطة به، وقال لهم: «إنما أنتم الذين نزلتم على الكعبة، ولم تنزل الكعبة عليكم» . وكذلك فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه هذا الفعل مرة أخرى وقال: «إنما جرأكم علي حلمي، فقد فعل عمر بكم ذلك فلم تتكلموا» ثم أمر بحبسهم لمدة، مما يدل على جواز نزع الملكية الفردية لمصلحة المرافق العامة كتوسيع الطرق والمقابر وإقامة المساجد وإنشاء الحصون والمرافئ والمؤسسات العامة كالمشافي والمدارس والملاجئ ونحوها؛ لأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة.
ثم إن فقهاء المذاهب قرروا أن لولي الأمر أن ينهي إباحة الملكية بحظر يصدر منه لمصلحة تقتضيه، فيصبح ما تجاوزه أمرًا محظورًا، فإذا منع من فعل مباح صار حرامًا، وإذا أمر به صار واجبًا. والدليل على إعطاء ولي الأمر مثل هذه الصلاحيات في غير المنصوص على حكمه صراحة هو قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء:59/ 4] وأولو الأمر في السياسة والحكم: هم الأمراء والحكام والعلماء، كما تبين سابقًا.
ولكن ليس كل مايتوهم من ضرر، أو يتخيل من مصلحة يكون مسوغًا لتقييد الملكية أو مصادرتها بالتعويض، وإنما ينبغي أن تكون المصلحة العامة محققة الحدوث، أو الضرر العام محقق الوقوع، أو غالب الوقوع، لا نادرًا ولا محتملًا، ويكفي عند فقهاء المالكية والحنابلة أن يكون احتمال وقوع الضرر مسوغًا لمنع الفعل أخذًا بقاعدة: «دفع المضار والمفاسد مقدم على جلب المصالح» .
ويلاحظ أن مبدأ تقدير الضرر مقيد بثلاثة أمور:
أولًا ـ أن كل ضرر يلحق الناس كافة هو ممنوع.