وقال الصاحبان: ليس له القضاء به. ومرجع الخلاف هو أن كون أحد المجتهدين أفقه من غيره هل يصلح مرجحًا؟ عند أبي حنيفة: يصلح؛ لأن اجتهاده أقرب إلى الصواب. وعند الصاحبين: لا يصلح مرجحًا؛ لأن كون العالم أفقه من غيره ليس من جنس الدليل الذي يستند إليه في استنباط الحكم.
والصحيح عند المالكية أن القاضي إذا كان من أهل الاجتهاد، فله أن يقضي بما رأى، وإن كان غيره أعلم منه؛ لأن التقليد لا يصح للمجتهد فيما يرى خلافه بالإجماع [1] .
وإن لم يكن القاضي مجتهدًا: يختار قول الأفقه والأورع من المجتهدين بحسب اعتقاده [2] .
صفة قضاء القاضي: قال جمهور العلماء: قضاء القاضي ينفذ ظاهرًا لا باطنًا؛ لأنا مأمورون باتباع الظاهر، والله يتولى السرائر، فلا يحل هذا الحكم حرامًا ولا يحرم حلالًا، فلو حكم بشهادة شاهدين ظاهرهما العدالة لم يحصل بحكمه الحل باطنًا، سواء في المال وغيره، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» متفق عليه [3] .
وقال أبو حنيفة: إذا حكم الحاكم بعقد أو فسخ أو طلاق، نفذ حكمه ظاهرًا وباطنًا؛ لأن مهمته القضاء بالحق، وأما الحديث فهو في قضية لا بينة فيها. وعلى
(1) المقدمات الممهدات: 263/ 2.
(2) المبسوط: 68/ 16، البدائع: 5/ 7 وما بعدها، مختصر الطحاوي: ص 327.
(3) راجع مغني المحتاج: 397/ 4، المغني: 58/ 9، بداية المجتهد: 450/ 2 ومابعدها، المقدمات الممهدات: 266/ 2.