وفي تقديري أن رأي الجمهور أرجح، لضعف أدلة الفريق الثاني، وقد اتفق الجمهور على أن الزوج يؤمر بمراجعة الزوجة إن طلق في الحيض أو في طهر جامعها فيه، وهذه المراجعة واجبة عند المالكية، وفي الأصح عند الحنفية، وإذا امتنع الزوج عن المراجعة أجبره الحاكم في رأي المالكية عليها بالحبس أو بالضرب حتى يراجع، فإن لم يراجعها ارتجعها الحاكم عليه. ولا يقول الحنفية بصحة الرجعة من الحاكم، وإنما للحاكم معاقبة الزوج إن لم يرتجع بما يراه زاجرًا؛ لأن كل معصية لا حد ولا كفارة فيها، فالواجب فيها التعزير. وتستحب المراجعة عند الشافعية والحنابلة، ولا تجب؛ لأن الزوج بالرجعة يزيل المعنى الذي حرم الطلاق، ولأنه طلاق لا يرتفع بالرجعة، فلم تجب عليه الرجعة فيه.
ثالثًا ـ أن يكون الطلاق مفرقًا ليس بأكثر من واحدة: اتفق الفقهاء [1] على أن الطلاق السني المشروع هو الواقع بالترتيب مفرقًا، الواحد بعد الآخر، لا بإيقاع الثلاث دفعة واحدة، لظاهر قوله تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة:229/ 2] أي أن الطلاق المباح ما كان مرة بعد مرة، فإذا جمع الرجل الطلقات الثلاث بكلمة واحدة، أو بألفاظ متفرقة في طهر واحد، يكون بدعيًا محظورًا في قول الحنفية والمالكية وابن تيمية وابن القيم. ولا يحرم ولا يكره عند الشافعية والحنابلة في الراجح من الروايات، وكذا عند أبي ثور وداود الظاهري، وإنما يكون تاركًا للاختيار والفضيلة.
(1) فتح القدير: 35/ 3، بداية المجتهد: 60/ 2 ومابعدها، المهذب: 78/ 2، مغني المحتاج: 311/ 3 ومابعدها، المغني: 104/ 7.