باب التوبة عن المخالفات، ليبادر الجاني إلى إصلاح نفسه إصلاحًا ذاتيًا صادرًا عن اقتناع واختيار وحرية فكرية.
في كل إنسان نزعتا الخير والشر، وبما أن الخير سبيل الإصلاح والتقدم والسعادة وجب تقوية دوافع الخير في الإنسان، وإضعاف عوامل الشر في نفسه، فكان لا بد من تشريع العقاب الزاجر، لأنه يساعد في مقاومة الميل إلى الشر، ويرغب في الخير.
وحينئذ يعتبر تطبيق العقوبة على الجناة محققًا لمبدأ الرحمة العامة، والرحمة العامة في الحقيقة: هي العدل، والعدالة الحقيقية هي الرحمة الحقيقية، ويعني ذلك أن الرحمة والعدالة في الشريعة متلازمتان [1] ، فليست الرحمة فوق العدل، ولا العدل فوق الرحمة أو القانون، بدليل صريح القرآن الكر يم: {وربك الغفور ذو الرحمة، لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب، بل لهم موعدٌ لن يجدوا من دونه موئلًا} [الكهف:58/ 18] . فإذا كانت العدالة تقتضي تعجيل العقوبة في الدنيا، فإن الرحمة تستدعي تأخيرها فتحًا لباب الأمل والتوبة والعدول عن المخالفة أمام كل إنسان في الحياة، وبذلك تكون التوبة أثرًا من آثار الرحمة الواجب مراعاتها في تشريع العقاب مع مراعاة العدالة، وهذا هو جوهر رسالة الإسلام. قال الله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء:107/ 21] قال ابن القيم «إن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها وحكمة كلها» [2] .
(1) الجريمة والعقوبة في الفقه، المرجع السابق: ص 6 - 8.
(2) أعلام الموقعين: 14/ 3.