الأصلي من مشروعية الحدود والتعزيرات هوزجر الناس وردعهم عن ارتكاب المحظورات وترك المأمورات دفعًا للفساد في الأرض، ومنعًا من إلحاق الضرر بالأفراد والمجتمعات [1] . قال ابن عابدين: إن مدار الشريعة بعد قواعد الإيمان على حسم مواد الفساد لبقاء العالم [2] .
ومن حرص الشريعة على تحقيق المصلحة في العقاب: أنها تمنع كل الوسائل التي تؤدي إلى الإجرام كتناول المسكرات والمخدرات، بل واعتبرتها جرائم في ذاتها [3] وتطبيقات مبدأ (سد الذرائع) تؤكد ذلك، فالفاحشة مثلًا حرام، والنظر إلى عورة الأجنبية حرام، لأنها تؤدي إلى الفاحشة.
ثم إنه في مواجهة المدرسة التقليدية الجديدة التي تقول: إن أساس حق العقاب هو العدالة المطلقة مجردة عن فكرة المنفعة، يقرر فقهائنا ضرورة وجود تناسب بين الجريمة وعقوبة التعزير. ولكن دون فصل لمبدأ العدالة عن مراعاة المصلحة. وإنما يستهدف العقاب تحقيق العدالة وحماية المصالح الاجتماعية الثابتة.
وفي مواجهة المدرسة الوضعية التي تتفق مع المدرسة التقليدية من حيث ارتكازها على المبدأ النفعي، وتطالب بالعناية بشخص المجرم لتقدير درجة خطورته ومدى قابليته للإصلاح، نرى فقهاءنا يقررون ذلك صراحة عند تقدير القاضي العقوبات التعزيرية لأكثر الجرائم الواقعة، وذلك على قدر الجناية وعلى قدر مراتب الجاني. كما أن فقهاءنا يتميزون أساسًا سواء في الحدود والتعزيرات بفتح
(1) راجع الأحكام السلطانية للماوردي: ص 213، فتح القدير: 112/ 4، تبيين الحقائق للزيلعي 163/ 3، البحر الرائق: 3/ 5، أحكام القرآن للجصاص: 412/ 2.
(2) حاشية رد المحتار على الدر المختار: 262/ 3.
(3) القصاص في الشريعة للأستاذ الشيخ أحمد إبراهيم: ص 21.