كما سبق بيانه، وقد أخر إلى هنا، لكثرة ما يتبعه من أمور. فالقبض في الهبة: أن يكون الموهوب مقبوضًا، فلا يثبت الملك للموهوب له قبل القبض بل لا تتحقق الهبة إلا بالقبض، فبالقبض توجد الهبة، والقبض مولد لآثار الهبة عند الحنفية. وأتكلم هنا في بيان أصل القبض أنه شرط أم لا عند الفقهاء.
ما نوع شرط القبض؟ اختلف الفقهاء، فقال الحنفية والشافعية [1] : القبض شرط للزوم الهبة، حتى إنه لا يثبت الملك للموهوب له قبل القبض، بدليل ما روت عائشة رضي الله عنها أن أباها نحلها جداد عشرين وَسقًا [2] من ماله، فلما حضرته الوفاة، قال: يابنية: إن أحب الناس عندي بعدي لأنت، وإن أعز الناس علي فقرًا بعدي لأنت، وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقًا من مالي، ولو كنت جددتيه وأحرزتيه لكان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث، وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله، قالت: هذان أخواي، فمن أختاي، إنما هي أسماء، فمن الأخرى؟ قال: ذو بطن بنت خارجة، فإني أظنها جارية [3] .
فهذا نص في اشتراط القبض للزوم الهبة، وإن الهبة تملك بالقبض لقوله: «لو كنت جددتيه وأحرزتيه لكان لك» ، وقال عمر رضي الله عنه: ما بال رجال
(1) الدر المختار ورد المحتار: 533/ 4، 341/ 5، مغني المحتاج: 400/ 2.
(2) الجد: صرام النخل أي أعطاها ما لا يجد عشرين وسقا، أي يحصل من ثمرته ذلك، والوسق: ستون صاعًا أو حمل بعير، حوالى (130 كغ) .
(3) تتمة الأثر: «فولدت جارية، أخواها عبد الرحمن ومحمد. وبنت خارجة: هي حبيبة بنت خارجة بن زيد، زوجة أبي بكر، كانت ذلك الوقت حاملًا، فولدت أم كلثوم» رواه عن عائشة مالك في الموطأ، ورواه عنه محمد بن الحسن وعبد الرزاق والبيهقي (راجع جامع الأصول: 12 ص/269، تنوير الحوالك شرح الموطأ: 223/ 2، نصب الراية: 122/ 4، التلخيص الحبير: ص260، نيل الأوطار: 5 ص/349) .