وإن كان الأمان مطلقًا غير محدد بوقت: فانتقاضه عند الحنفية إما بنقض الإمام، لكن يخبرهم بالنقض ثم يقاتلهم، وإما بطلب العدو نقضه، وحينئذ يدعوهم الإمام إلى الإسلام، فإن أبوا فإلى التعاقد بعقد الذمة، فإن أبوا ردهم إلى مأمنهم ثم قاتلهم، احترازًا عن الغدر.
وأجاز جمهور الفقهاء للإمام أن ينبذ عقد الأمان إذا حصل فقط ضرر للمسلمين لقوله تعالى:
{وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين} [الأنفال:58/ 8] [1] .
مدة الأمان: إذا دخل الحربي إلى دار الإسلام مستأمنًا، لم يمكَّن من الإقامة فيها سنة فما فوقها، لئلا يصير عينًا للأعداء وعونًا عليهم. ويقول له الإمام أو نائبه إذا أمنه وأذن له في الدخول إلى دارنا: إن أقمت في دارنا تمام السنة وضعت عليك الجزية، فإن أقام تمام السنة أخذت منه الجزية، وصار ذميًا لالتزامه ذلك، ولم يترك بعدها أن يرجع إلى دارالحرب؛ لأن عقد الذمة لا ينقض.
وإن عاد المستأمن إلى دار الحرب وترك وديعة عند مسلم أو ذمي، أو ترك دينًا في ذمة مسلم أو ذمي، صار دمه مباحًا بالعود لبطلان أمانه، وما كان في دار الإسلام من ماله، فهو موقوف (أي مجمَّد بتعبير العصر) . فإن أسر أو قتل، سقطت ديونه؛ لأن يد من عليه الدين أسبق إليه من يد الجماعة العامة، فيختص به، وصارت الوديعة ونحوها مما في دارنا فيئًا؛ لأنها في يده حكمًا، فتصير فيئًا تبعًا لنفسه [2] .
(1) آثار الحرب: ص 361، البدائع، المرجع السابق.
(2) الكتاب مع اللباب: 135/ 4.