ف إن أضيف إلى وقت مبهم بأن قال: (لله علي أن أصوم شهرًا) ولا نية له: فحكمه حكم الواجب المطلق عن الوقت [1] . ومن المعروف أن علماء الأصول اختلفوا في وقت وجوب الواجب. فقال بعضهم: على الفور، وقال الأكثرون: على التراخي: ففي أي جزء من العمر يجوز القيام به ويتضيق الوجوب في آخر العمر إذا بقي من العمر في غالب الظن قدر ما يسع الأداء، ويسن تعجيل الوفاء بالنذر، وهذا هو الرأي الصحيح. وهو ينطبق على نذر الاعتكاف المضاف إلى وقت مبهم بأن قال: (لله علي أن أعتكف شهرًا) ولا نية له .. ولكن هناك فرقًا بين الصوم والاعتكاف: في الصوم يخير الناذر بين متابعة الصوم وتفرقته، أما في الاعتكاف فيلزم الناذر عند الجمهور غير الشافعية بالتتابع في النهار والليل؛ لأن طبيعة الاعتكاف وهو اللبث على الدوام تتطلب القيام به على الاتصال، فلا بد من التتابع. وأما الصوم فليس مبنيًا على التتابع لوجود فاصل الليل بين كل يومين. فإن قيد نذر الصوم بتفريق أو موالاة وجب.
وإن أضيف النذر إلى وقت معين بأن قال: (لله علي صوم غد) فيجب عليه صوم الغد وجوبًا مضيقًا ليس له تأخيره من غير عذر، وإذا قال: (لله علي صوم رجب) فيجب عليه صيام شهر، سواء أكان قبل مجيء رجب أم بمجرد مجيئه، ولا يجوز التأخير عن رجب من غير عذر. فإن صام رجب إلا يومًا يقضي ذلك اليوم من شهر آخر، ولو أفطر رجب كله قضى في شهر آخر، لأنه فوت الواجب عن وقته، فصار دينًا عليه [2] ، والدين مقضي على لسان رسول الله صلّى الله عليه وسلم [3] .
(1) الواجب المطلق: هو ما طلب الشارع فعله حتمًا، ولم يعين وقتًا لأدائه، كالكفارة الواجبة على من حلف يمينًا وحنث، فليس لفعل هذا الواجب وقت معين، فإذا شاء الحانث كفر بعد الحنث مباشرة، وإن شاء كفر بعد ذلك (انظر أصول الفقه للمؤلف: 49/ 1) .
(2) انظر هذا المطلب في البدائع: 94/ 5 ومابعدها، مغني المحتاج: 359/ 4 ومابعدها.
(3) أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي أمامة، قال الترمذي: حديث حسن وصححه ابن حبان. ورواه أيضًا أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو يعلى والدارقطني وابن أبي شيبة وعبد الرزاق (نصب الراية: 57/ 4) .