الحنابلة في ذلك [1] : إن استوى المجتهدان عند المستفتي في الفضيلة واختلفا عليه في الجواب اختار الأشد منهما، لما روى الترمذي من حديث عائشة قالت: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ماخير عمار بين أمرين إلا اختار أشدهما» وفي لفظ «أرشدهما» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ورواه أيضًا النسائي وابن ماجه. فثبت بهذين اللفظين للحديث أن الرشد في الأخذ بالأشد، والأولى أن يعتبر ـ أي المستفتي ـ القولين ساقطين، لتعارضهما، ويرجع إلى استفتاء آخر.
وعبارة المالكية [2] : الأصح أنه يمتنع تتبع الرخص في المذاهب، بأن يأخذ منها ماهو الأهون فيما يقع من المسائل. وقيل: لايمتنع. وصرح بعضهم بتفسيق متتبع الرخص. والأولى الاحتياط بالخروج من الخلاف بالتزام الأشد الأقوى، فإن من عز عليه دينه تورع، ومن هان عليه دينه تبدع.
وعبارة الغزالي [3] : ليس للعامي [4] أن ينتقي من المذاهب في كل مسألة أطيبها عنده، فيتوسع، بل هذا الترجيح عنده كترجيح الدليلين المتعارضين عند المفتي، فإنه يتبع ظنه في الترجيح، فكذلك ههنا.
2 -قال القرافي المالكي، وأكثر أصحاب الشافعي، والراجح عند الحنفية منهم ابن الهمام وصاحب مسلم الثبوت [5] : يجوز تتبع رخص المذاهب، لأنه
(1) المدخل إلى مذهب أحمد، المرجع والمكان السابق.
(2) فتاوى الشيخ عليش، المرجع السابق، وصفحة 76.
(3) المستصفى، المرجع السابق.
(4) العامي في اصطلاح الأصوليين: هو كل من ليس أهلًا للاجتهاد، وإن كان عالمًا بفن غير فن استنباط الأحكام من أدلتها.
(5) مسلم الثبوت: 356/ 2، إرشاد الفحول: ص 240، شرح المحلي على جمع الجوامع 328/ 2، شرح الإسنوي: 266/ 3، رسم المفتي في حاشية ابن عابدين: 69/ 1 ومابعدها، الفوائد المكية للسقاف: ص52.