يمين الفور: هناك نوع آخر من اليمين المنعقدة أي اليمين في المستقبل: وهو ما تكون اليمين مؤقتة دلالة أو معنى ومؤبدة لفظًا، وهي المسماة يمين الفور: وهي كل يمين خرجت جوابًا لكلام، أو بناء على أمر، فتتقيد بذلك بدلالة الحال، مثل أن يقول شخص لآخر: (تعال تغد معي) فقال: (والله لا أتغدى) فلم يتغد معه، ثم رجع إلى منزله، فتغدى، وحكمها: أنه لا يحنث في يمينه استحسانًا، والقياس أن يحنث وهو قول زفر.
وجه القياس: أن الحالف منع نفسه عن الغداء في عموم الحالات، فتقييد اليمين في بعض الحالات دون بعض تخصيص للعموم.
ووجه الاستحسان: أن كلام الحالف خرج جوابًا للسؤال، فينصرف إلى ما وقع السؤال عنه، والسؤال وقع عن الغداء المدعو إليه، فينصرف الجواب إليه، كأنه أعاد السؤال وقال: (والله لا أتغدى الغداء الذي دعوتني إليه) : يعني أن قصد الحالف متجه إلى الامتناع عن الغداء المدعو إليه بحسب عرف الناس، والأيمان مبنية على العرف عند الحنفية كما سيأتي بيانه.
وهناك مثال آخر ليمين الفور وهو: إذا أرادت امرأة إنسان أن تخرج من الدار فقال لها زوجها: (إن خرجت فأنت طالق) فقعدت تاركة الخروج ساعة، ثم خرجت بعدئذ لا يحنث استحسانًا؛ لأن دلالة الحال تدل على التقيد بذلك الخروج، كأنه قال: (إن خرجت هذه الخرجة فأنت طالق) فإن ذكر ما يدل على خلاف المقصود، كأن بين أن المراد الخروج مطلقًا في هذا اليوم، فيبطل اعتبار الفور، ويبطل أيضًا اعتبار الفور ويحنث بمطلق التغدي إن قال: (إن تغديت اليوم [1] .
(1) راجع المبسوط: 8 ص 131، 186، البدائع: 3 ص 13، الدر المختار: 3 ص 29 ومابعدها، فتح القدير: 4 ص 42.