والحقيقة. وأما الأحكام القضائية فتبنى على ظاهر الأمر ولا ينظر فيها إلى النوايا وواقع الأمر وحقيقته. فمن طلق امرأته خطأ، ولم يقصد إيقاع الطلاق، يحكم القاضي بوقوع طلاقه عملًا بالظاهر واستحالة معرفة الحقيقة، ويكون الحكم بوقوع الطلاق حكمًا قضائيًا. وأما ديانة فالحكم عدم وقوع الطلاق، وللإنسان أن يعمل بذلك فيما بينه وبين الله تعالى، وللمفتي إفتاؤه بذلك؛ لأن الزوج لم يقصد الطلاق في الواقع.
عرفنا سابقًا أن منشأ الحق أو سببه الأساسي أو غير المباشر: هو الشرع. فالشرع هو المصدر الأساسي للحقوق، والسبب الوحيد لها، غير أن الشرع قد ينشئ الحقوق مباشرة من غير توقف على أسباب أخرى، كالأمر بالعبادات المختلفة، والأمر بالإنفاق على القريب، والنهي عن الجرائم والمحرمات، وإباحةالطيبات من الرزق، فإن أدلة الشرع هنا تعتبر أسبابًا مباشرة للحقوق.
وقد ينشئ الشارع الحقوق أو الأحكام مرتبة على أسباب أخرى يمارسها الناس، كعقد الزواج، فإنه ينشئ حق النفقة للزوجة والتوارث بين الزوجين وغير ذلك. وعقد البيع ينشئ ملك البائع للثمن والمشتري للمبيع. والغصب سبب للضمان عند هلاك المغصوب. وتعتبر العقود والغصب أسبابًا مباشرة، وأدلة الشرع أسبابًا غير مباشرة.
والمقصود من الأسباب أو المصادر في هذا المبحث: الأسباب المباشرة، سواء أكانت أدلة الشرع أم الأسباب التي أقرتها وعينتها هذه الأدلة. فليس المراد من المصدر هنا:
المصدر الآمر في إيجاب الالتزام، إذ تكون عندئذٍ جميع المصادر مردها إلى الشرع أو القانون.