وأكمل أنواع التوبة ما حدده علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذلك فيما روى جابر أن أعرابيًا دخل مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبر، فلما فرغ من صلاته قال له علي كرم الله وجهه: إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين، وتوبتك تحتاج إلى التوبة، فقال: يا أمير المؤمنين، ما التوبة؟ قال: «اسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضيع الفرائض الإعادة، ورد المظالم، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعاصي، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء
بدل كل ضحك ضحكته» [1] .
والتوبة المستوفية كامل شرائطها هي التوبة النصوح المشار إليها في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا} [التحريم:8/ 66] . {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى} [طه:82/ 20] .
واختلاف العلماء في تحديد هذه التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولًا مجرد اختلاف ظاهري في العبارة، من هذه الأقوال ما قال القرطبي: التوبة النصوح يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان ومهاجرة سيء الخلاّن [2] .
رابعًا - حكم التوبة شرعًا: 1) ـ وجوب التوبة فورا ً:
اتفقت مصادر الشريعة في القرآن والسنة وإجماع الأمة على وجوب المبادرة إلى التوبة فور وقوع الخطيئة، فمن أخرها زمانًا صار عاصيًا بتأخيرها [3] وذلك
(1) تفسير الألوسي: 36/ 25.
(2) انظر تفسير القرطبي: 198/ 18.
(3) قواعد الأحكام: 188/ 1، رياض الصالحين: ص 12، وتفسير القرطبي: 197/ 18.