والذم، ولما فيه من الخطورة [1] ، بل إنه يكره طلبه لقوله صلّى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها» [2] أي صرفت إليها دون عون، وعن أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من سأل القضاء، وكل إلى نفسه، ومن أجبر عليه نزل إليه ملك فسدده» [3] وعن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة» [4] . فيكون طلب القضاء مكروهًا إذا كان هناك مماثل أو أفضل منه.
لكن يندب طلب القضاء لعالم غير مشهور يرجو به نشر علمه بين الناس لتحصل المنفعة بعلمه، كما يندب لمن كان محتاجًا إلى الرزق؛ لأن القضاء طاعة لما في إقامة العدل من جزيل الثواب. ويستحب أيضًا لمن يرجو بعمله إحقاق الحق ومنع ضياع الحقوق، وتدارك جورالقضاة أو عجزهم عن إيصال الحقوق لأهلها.
ويكره قبول القضاء لمن يخاف العجز عنه، ولا يأمن على نفسه الحيف فيه، حتى لا يكون سببًا لمباشرة القبيح.
وقال بعض العلماء: قبول القضاء أفضل؛ لأن الأنبياء والمرسلين صلوات الله
(1) قال في كتاب الجوهرة الحنفي: وقد دخل فيه (أي في القضاء) قوم صالحون، واجتنبه قوم صالحون، وترك الدخول فيه أحوط وأسلم للدين والدنيا، لما فيه من الخطر العظيم والأمر المخوف.
(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد (نيل الأوطار: 256/ 8) .
(3) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد (نصب الراية: 69/ 4، مجمع الزوائد: 194/ 4، نيل الأوطار، المرجع السابق) .
(4) رواه البخاري وأحمد والنسائي. وقوله: «ستحرصون» بكسر الراء، ويجوز فتحها، وقوله: «نعم المرضعة وبئست الفاطمة» أي نعمت المرضعة في الدنيا وبئست الفاطمة بعد الموت (نيل الأوطار: 257/ 8، سبل السلام: 116/ 4) .