وقال غير الحنفية: يجوز القضاء على الغائب إذا أقام المدعي البينة على صحة دعواه، وذلك في الحقوق المدنية، لا في الحدود الخالصة لله تعالى [1] لأنها مبنية على المسامحة والدرء والإسقاط، لاستغنائه تعالى، بخلاف حق الإنسان الخاص.
رابعًا: أن يكون المدعى به شيئًا معلومًا: وذلك إما بالإشارة إليه عند القاضي إذا كان الشيء من المنقولات، أو ببيان حدوده إذا كان قابلًا للتحديد، كالأراضي والدور وسائر العقارات، أو بذكر رقم محضر السجل العقاري في التنظيم الحديث الذي يستغنى به عن الحدود والأوصاف في الماضي، أو بكشف يجريه القاضي أو من ينوب عنه إذا لم يكن المدعى به قابلًا للتحديد كحجر الرحى (الطاحونة) ، أو ببيان جنسه ونوعه وقدره وصفته إذا كان المدعى به دينًا كالنقود والحبوب؛ لأن الدين لا يصير معلومًا إلا ببيان هذه الأمور.
والسبب في اشتراط هذا الشرط، أي العلم بالمدعى به: هو أن المدعى عليه لا يلزم بإجابة دعوى المدعي إلا بعد معرفة المدعى به، وكذلك الشهود لا يمكنهم الشهادة على مجهول، ثم إن القاضي لا يتمكن من إصدار الحكم أو القضاء بالدعوى إلا إذا كان المدعى به شيئًا معلومًا.
خامسًا: أن يكون موضوع الدعوى أمرًا يمكن إلزام المدعى عليه به، أي أن يكون الطلب مشروعًا ملزمًا في مفهومنا الحاضر. فإذا لم يكن بالإمكان إلزام المدعى عليه بشيء، فلا تقبل الدعوى، كأن يدعي إنسان أنه وكيل هذا الخصم الحاضر عند القاضي في أمر من أموره، أو يدعي على شخص بطلب صدقة، أو بتنفيذ مقتضى عقد باطل، فإن القاضي لا يسمع دعواه هذه إذا أنكر الخصم ذلك؛
(1) البدائع: 222/ 6، 8/ 7، تكملة فتح القدير: المكان السابق، المبسوط، المكان السابق، بداية المجتهد: 460/ 2، المهذب: 3/ 2، المغني: 110/ 9.