ويرى المالكية [1] : أن التحريق والتغريق قتل عمد موجب للقصاص، إذا كان التغريق عدوانًا أو لعبًا لغير المحسن للعوم، أوعداوة لمحسن العوم وكان الغالب عدم النجاة لشدة برد، أو طول مسافة، فغرق. فإن كان التغريق لمحسن العوم لعبًا، فعليه دية مخففة (مخمسة) لا مغلظة. وقال الشافعية والحنابلة [2] : إذا ألقى أو طرح شخص غيره في نار أو ماء، لا يمكنه التخلص منه لكثرة الماء أو النار أولعجزه عن التخلص لعدم إحسانه السباحة، أو مع إحسانها، وكان مكتوفًا أو ضعيفًا أو مريضًا أو صغيرًا، فمات، كان القتل عمدًا موجبًا القصاص. وإن ألقاه في ماء مغرق، فالتقمه حوت، وجب القصاص في الأظهر عند الشافعية؛ لأنه ألقاه في مهلكه، وفيه وجهان عند الحنابلة، أصحهما وجوب القود على الملقي. فإن كان الماء يسيرًا غير مغرق والتقمه الحوت فلا قصاص، وعليه دية القتل شبه العمد عند الشافعية والحنابلة؛ لأنه هلك بفعله.
وإن أمكنه التخلص من الغرق بسباحة أو تعلق بزورق، فتركها، فلا قود ولا دية؛ أي أنه هدر عند الحنابلة، وفي الأظهر عند الشافعية؛ لأنه مهلك لنفسه. كذلك لا دية في الأظهر عند الشافعية إذا ألقاه في نار يمكنه الخلاص منها، فمكث فيها حتى مات. وفي إيجاب ضمان ديته وجهان عند الحنابلة، والصواب إلزامه الدية؛ لأنه جانٍ بالإلقاء المفضي إلى الهلاك. ورأي الشافعية والحنابلة أولى بالاتباع، ويقترب منه رأي المالكية؛ لأن مثل هذا الفعل الذي يباشره المعتدي قاتل غالبًا.
(1) الشرح الكبير والدسوقي: 243/ 4.
(2) مغني المحتاج: 8/ 4، نهاية المحتاج: 10/ 7، المهذب: 176/ 2،192، المغني: 641/ 7، كشاف القناع: 590/ 5.