ومن المقرر عند الفقهاء أن لولي الأمر أن ينهي إباحة الملكية بحظر يصدر منه لمصلحة تقتضيه، فيصبح ما تجاوزه أمرًا محظورًا، فإن طاعة ولي الأمر واجبة بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء:59/ 4] وأولو الأمر في السياسة والحكم: الأمراء والولاة كما روى ابن عباس وأبو هريرة، وقال الطبري: إنه أولى الأقوال بالصواب.
ومن أمثلة تدخل ولي الأمر في الملكية: ما روي محمد الباقر عن أبيه علي زين العابدين أنه قال: «كان لسمرة بن جندب نخل في حائط (أي بستان) رجل من الأنصار، وكان يدخل هو وأهله فيؤذيه، فشكا الأنصاري ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال رسول الله لصاحب النخل: بعه، فأبى، فقال الرسول: فاقطعه، فأبى، فقال: فهبه ولك مثله في الجنة، فأبى، فالتفت الرسول إليه وقال: أنت مضار، ثم التفت إلى الأنصاري، وقال: اذهب فاقلع نخله» [1] ففي هذه الحادثة ما يدل على أن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يحترم الملكية المعتدية، وهو القائل في القضاء في حقوق الارتفاق: «لا ضرر ولا ضرار» [2] ، وروى أبو هريرة رضي الله عنهم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره» [3] . وشرع الإسلام حق الشفعة على الملكية، دفعًا للضرر وإقرارًا لقاعدة المصلحة.
ومن الأمثلة أيضًا: ما روى الإمام مالك في الموطأ: وهو أن رجلًا اسمه
(1) انظر الأحكام السلطانية لأبي يعلى، مطبعة البابي الحلبي: ص 285.
(2) رواه مالك في الموطأ مرسلًا عن عمرو بن يحيى عن أبيه، ورواه أحمد في مسنده وابن ماجه والدارقطني في سننيهما مسندًا عن أبي سعيد الخدري. وله طرق يقوي بعضها بعضًا. والضرر: إلحاق مفسدة بالغير، والضرار: مقابلة الضرر بالضرر.
(3) رواه مسلم ومالك وأحمد وابن ماجه (شرح مسلم: 47/ 11) بل رواه الجماعة إلا النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه.