وقال المالكية والشافعية والحنابلة في الرواية الصحيحة عندهم: لا يكون ذلك يمينًا لخلوه عن ذكر اسم الله تعالى وصفته، ولا كفارة عليه بالحنث فيه، والحلف به معصية، والتلفظ به حرام. هذا إذا قصد بيمينه تبعيد نفسه عن المحلوف عليه، أما لو حلف على قصد الرضا بالتهود وما في معناه إذا فعل الفعل، كفر في الحال، فإن لم يعرف قصده، لا يحكم بكفره، كما رجح الشافعية [1] . ويؤيد هذا الرأي ماروى بريدة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «من حلف أنه بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا فقد قال، وإن كان صادقًا فلم يرجع إلى الإسلام سالمًا» [2] .
هذا إذا أضاف اليمين إلى المستقبل، فأما إذا أضاف اليمين إلى الماضي بأن قال: (إني يهودي أو نصراني إن فعلت كذا في الماضي) كاذبًا قصدًا، فهذا يمين الغموس، ولا كفارة فيه عند جمهور الفقهاء، كما بان سابقًا.
لكن هل يكفرُ بقوله هذا؟
اختلف مشايخ الحنفية في ذلك، والصحيح ما روى الحاكم الشهيد عن أبي يوسف أنه لا يكفر؛ لأنه ما قصد به الكفر، ولا اعتقده، وإنما قصد به ترويج كلامه وتصديقه فيه.
وكذلك لا يكفُر في الصحيح إذا قال: (يعلم الله أني فعلت كذا) وهو يعلم
(1) بداية المجتهد: 1 ص 396، الشرح الكبير للدردير: 2 ص 128، مغني المحتاج: 4 ص 324، المهذب: 2 ص 129، المغني: 8 ص 698، القوانين الفقهية: ص 158.
(2) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي وصححه من حديث بريدة بلفظ «من حلف، فقال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا، فهو كما قال؛ وإن كان صادقًا، فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا» . وروى أبو يعلى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فهو كما قال: إن قال: إني يهودي فهو يهودي، وإن قال: إني نصراني فهو نصراني، وإن قال: إني مجوسي فهو مجوسي» وفيه عنبس بن ميمون وهو متروك (راجع جامع الأصول: 12 ص 295، سبل السلام: 4 ص 102، نيل الأوطار: 8 ص 233، مجمع الزوائد: 4 ص 177) .