و التصديق بك والإقرار بوحدانيتك واتباع رسولك واتباع أمره ونهيه وقوله «أن آمنوا بربكم» معناه بأن آمنوا بربكم فحذف الباء وقيل معناه قال لنا آمنوا بربكم «ف آمنا» أي فصدقنا الداعي فيما دعا إليه من التوحيد والدين وأجبناه «فاغفر لنا ذنوبنا» معناه استرها علينا ولا تفضحنا بها يوم القيامة على رءوس الأشهاد بعقوبتك «وكفر عنا سيئاتنا» معناه امحها بفضلك ورحمتك إيانا «وتوفنا مع الأبرار» معناه واقبضنا إليك في جملة الأبرار واحشرنا معهم فإن قيل ما معنى قوله «وكفر عنا سيئاتنا» وقد أغنى عنه قوله «فاغفر لنا» فالجواب عنه من وجهين (أحدهما) إن معناه اغفر لنا ذنوبنا ابتداء بلا توبة وكفر عنا إن تبنا والثاني إن معناه اغفر لنا ذنوبنا بالتوبة وكفر عنا باجتناب الكبائر من السيئات لأن الغفران قد يكون ابتداء ومن سبب والتكفير لا يكون إلا عند فعل من العبد والأول أليق بمذهبنا «ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك» هذه حكاية عمن تقدم وصفهم بأنهم يقولون أعطنا ما وعدتنا على لسان رسلك من الثواب «ولا تخزنا» أي لا تفضحنا أو لا تهلكنا «يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد» وهو كلام مستأنف بدلالة أنه كسر إن والمعنى أنك وعدت الجنة لمن آمن بك وأنت لا تخلف وعدك فإن قيل ما وجه المسألة في إنجاز الوعد والمعلوم أنه يفعله لا محالة فالجواب عنه من وجوه (أحدها) إن ذلك على وجه الانقطاع إلى الله والتضرع له والتعبد كما قال «وقل رب احكم بالحق» واختاره علي بن عيسى والجبائي (والثاني) إن الكلام خرج مخرج المسألة والمراد الخبر أي توفنا مع الأبرار لتؤتينا ما وعدتنا به على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة لأنهم علموا أن ما وعد الله به حق ولا بد أن ينجزه (والثالث) معناه السؤال والدعاء بأن يجعلهم ممن أتاهم ما وعدهم من الكرامة على ألسن رسله لا أنهم قد استحقوا منزلة الكرامة عند الله في أنفسهم وشهدوا ثم سألوه أن يؤتيهم ما وعدهم بعد علمهم باستحقاقهم عند أنفسهم لأنه لو كان كذا لكانوا قد زكوا أنفسهم وشهدوا بأنهم استوجبوا كرامة الله ولا يليق ذلك بصفة أهل الفضل من المؤمنين (والرابع) أنهم إنما سألوا ذلك على وجه الرغبة منهم إلى الله في أن يؤتيهم ما وعدهم من النصر على أعدائهم من أهل الكفر وإعلاء كلمة الحق على الباطل ليعجل ذلك لهم لأنه لا يجوز أن يكونوا مع ما وصفهم الله به غير واثقين ولا على غير يقين أن الله لا يخلف الميعاد فرغبوا إليه في تعجيل ذلك ولكنهم كانوا وعدوا النصر ولم يوقت لهم في ذلك وقت فرغبوا إليه في تعجيل ذلك لهم لما لهم في ذلك من السرور بالظفر وهو اختيار الطبري وقال الآية مختصة بمن هاجر من أصحاب النبي الذين رغبوا في تعجيل النصرة على أعدائهم وقالوا لا صبر لنا على أناتك وحلمك وقوي ذلك بما بعد هذه الآية