قصير الخطو يحسب من رآني
ولست مقيدا أني بقيد أراد أنني قيدت بقيد قال علي بن عيسى ما ذكره الفراء ضعيف من وجهين (أحدهما) أن حذف الموصول عند البصريين لا يجوز لأنه إذا احتاج إلى الصلة تبين عنه فالحاجة إلى البيان عنه بذكره أشد وإنما يجوز حذف الشيء للاستغناء عنه بدلالة غيره عليه ولو دل عليه لحذف مع صلته لأنه معها بمنزلة شيء واحد و (الوجه الآخر) أن الكلام إذا صح معناه من غير حذف لم يجز تأويله على الحذف وقيل في هذا الاستثناء أنه منقطع لأن الذلة لازمة لهم على كل حال فجرى مجرى قوله وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ فعامل الإعراب موجود والمعنى على الانقطاع ومثله لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما فكل انقطاع ففيه إزالة الإبهام الذي يلحق الكلام فقوله «لا يسمعون فيها لغوا» قد يوهم أنهم من حيث لا يسمعون فيها لغوا لا يسمعون كلاما فقيل لذلك إلا سلاما وكذلك قوله «وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا» قد يتوهم أنه لا يقتل مؤمن مؤمنا على وجه فقيل لذلك إلا خطأ وكذلك «ضربت عليهم الذلة» قد يتوهم أنه من غير جواز موادعة فقيل إلا بحبل من الله وقيل إن الاستثناء متصل لأن عز المسلمين عز لهم بالذمة وهذا لا يخرجهم من الذلة في أنفسهم .
قال مقاتل أن رءوس اليهود مثل كعب وأبي رافع وأبي ياسر وكنانة وابن صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم كعبد الله بن سلام وأصحابه فأنبوهم لإسلامهم فنزلت الآية .
«لن يضروكم إلا أذى» وعد الله المؤمنين أنهم منصورون وأن أهل الكتاب لا يقدرون عليهم ولا ينالهم من جهتهم مضرة إلا أذى من جهة القول ثم اختلفوا في هذا القول فقيل هو كذبهم على الله وتحريفهم كتاب الله وقيل هو ما كانوا يسمعون المؤمنين من الكلام المؤذي «وأن يقاتلوكم» أي وأن يجاوزوا عن الإيذاء باللسان إلى القتال والمحاربة «يولوكم الأدبار» منهزمين «ثم لا ينصرون» أي ثم لا يعاونون لكفرهم ففي هذه الآية دلالة على صحة نبوة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلّم) لوقوع مخبره على وفق خبره لأن يهود المدينة من بني قريظة والنضير وبني قينقاع ويهود خيبر الذين حاربوا النبي والمسلمين لم يثبتوا لهم قط وانهزموا ولم ينالوا من المسلمين إلا بالسب والطعن «ضربت عليهم الذلة» أي أثبت عليهم الذلة وأنزلت بهم وجعلت محيطة بهم وهو استعارة من ضرب القباب والخيام عن أبي مسلم وقيل معناه ألزموا الذلة فثبتت فيه من قولهم ضرب فلان الضريبة على عبده أي ألزمها إياه قال الحسن ضربت الذلة على اليهود فلا يكون لها منعة