ثم ذكر سبحانه ما أخذ على الخلق من المواثيق بعقولهم عقيب ما ذكره من المواثيق التي في الكتب جمعا بين دلائل السمع والعقل وإبلاغا في إقامة الحجة فقال «وإذ أخذ ربك» أي واذكر لهم يا محمد إذ أخرج ربك «من بني آدم من ظهورهم» أي من ظهور بني آدم «ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى» اختلف العلماء من العام والخاص في معنى هذه الآية وفي هذا الإخراج والإشهاد على وجوه (أحدها) أن الله تعالى أخرج ذرية آدم من صلبه كهيئة الذر فعرضهم على آدم وقال إني آخذ على ذريتك ميثاقهم أن يعبدوني ولا يشركوا بي شيئا وعلي أرزاقهم ثم قال لهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أنك ربنا فقال للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا وقيل إن الله تعالى جعلهم فهماء عقلاء يسمعون خطابه ويفهمونه ثم ردهم إلى صلب آدم والناس محبوسون بأجمعهم حتى يخرج كل من أخرجه الله في ذلك الوقت وكل من ثبت على الإسلام فهو على الفطرة الأولى ومن كفر وجحد فقد تغير عن الفطرة الأولى عن جماعة من المفسرين ورووا في ذلك آثارا بعضها مرفوعة وبعضها موقوفة يجعلونها تأويلا للآية ورد المحققون هذا التأويل وقالوا إنه مما يشهد ظاهر القرآن بخلافه لأنه تعالى قال «وإذ أخذ ربك من بني آدم» ولم يقل من آدم وقال «من ظهورهم» ولم يقل من ظهره وقال «ذريتهم» ولم يقل ذريته ثم أخبر تعالى بأنه فعل ذلك لئلا يقولوا إنهم كانوا عن ذلك غافلين أو يعتذروا بشرك آبائهم وإنهم نشأوا على دينهم وهذا يقتضي أن يكون لهم آباء مشركون فلا يتناول الظاهر ولد آدم لصلبه وأيضا فإن هذه الذرية المستخرجة من صلب آدم لا يخلو إما أن جعلهم الله عقلاء أو لم يجعلهم كذلك فإن لم يجعلهم عقلاء فلا يصح أن يعرفوا التوحيد وأن يفهموا خطاب الله تعالى وإن جعلهم عقلاء وأخذ عليهم الميثاق فيجب أن يتذكروا ذلك ولا ينسوه لأن أخذ الميثاق لا يكون حجة على المأخوذ عليه إلا أن يكون ذاكرا له فيجب أن نذكر نحن الميثاق ولأنه لا يجوز أن ينسى الجمع الكثير والجم الغفير من العقلاء شيئا كانوا عرفوه وميزوه حتى لا يذكره واحد منهم وإن طال العهد ألا ترى أن أهل الآخرة يعرفون كثيرا من أحوال الدنيا حتى يقول أهل الجنة لأهل النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ولو جاز أن ينسوا ذلك مع هذا الكثرة لجاز أن يكون الله تعالى قد كلف الخلق فيما مضى ثم أعادهم إما ليثيبهم وإما ليعاقبهم ونسوا ذلك وذلك يؤدي إلى التجاهل وإلى صحة مذهب التناسخية وحكي عن علي بن عيسى عن أبي بكر بن الإخشيد أنه جوز أن يكون خبر الذر صحيحا غير أنه قال ليس تأويل الآية على ذلك ويكون فائدته أنه إنما فعل ذلك ليجروا على الأعراق الكريمة في شكر النعمة والإقرار لله تعالى