و أنكرتني وما كان الذي نكرت
من الحوادث إلا الشيب والصلعا وكفت الشيء يكفته كفتا وكفاتا إذا ضمه ومنه الحديث اكفتوا صبيانكم أي ضموهم إلى أنفسكم ومثله ضموا مواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء ويقال للوعاء كفت وكفيت وقال أبو عبيدة كفاتا أي أوعية والرواسي الثوابت والشامخات العاليات ومنه شمخ بأنفه إذا رفعه كبرا وماء فرات وزلال وعذب ونمير كله من العذوبة والطيب ومنه سمي النهر العظيم المعروف بالفرات قال الشاعر:
إذا غاب عنا غاب عنا فراتنا
وإن شهد أجدى نيله وفواضله قال ابن عباس أصول الأنهار العذبة أربعة جيحان ومنه دجلة وسيحان نهر بلخ وفرات الكوفة ونيل مصر .
أحياء منصوب بأنه مفعول قوله «كفاتا» معناه أن يكفت أحياء وأمواتا فعلى هذا يكون كفاتا مصدرا وإن جعلته جمع كفت فيكون العامل في أحياء معناه والتقدير واعية أحياء أو تعي أحياء .
ثم ذكر سبحانه ما فعله بالمكذبين الأولين فقال «ألم نهلك الأولين» يعني بالعذاب في الدنيا يريد قوم نوح وعاد وثمود حين كذبوا رسلهم «ثم نتبعهم الآخرين» قوم لوط وإبراهيم لم يعطف نتبعهم على نهلك فيجزم بل استأنف وقال المبرد تقديره ثم نحن نتبعهم لا يجوز غيره لأن قوله «ألم نهلك» ماض وقوله «ثم نتبعهم» مستقبل ويؤيده قول الحسن أن الآخرين هم الذين تقوم عليهم القيامة «كذلك نفعل بالمجرمين» أي كما فعلنا بمن تقدم نفعل بالمكذبين من أهل مكة وقد فعل بهم ذلك فقتلوا يوم بدر وقد يكون الإهلاك بتصيير الشيء إلى حيث لا يدري أين هو إما بإعدامه أو بإخفاء مكانه وقد يكون بالأمانة وقد يكون بالنقل إلى حال الجمادية «ويل يومئذ» يعني يوم الجزاء «للمكذبين» فإنهم يجازون باليم العقاب «ألم نخلقكم من ماء مهين» أي حقير قليل الغناء وفي خلق الإنسان على هذا الكمال من الحواس الصحيحة والعقل الشريف والتمييز والنطق من ماء ضعيف أعظم الاعتبار وأبين الحجة على أن له صانعا مدبرا حكيما والجاحد لذلك كالمكابر لبداية العقول «فجعلناه» أي فجعلنا ذلك الماء المهين «في قرار مكين» يعني الرحم