لما تقدم الوعيد عقبه سبحانه بالوعد فقال «إن الذين يخشون ربهم بالغيب» أي يخافون عذاب ربهم باتقاء معاصيه وفعل طاعاته على وجه الاستسرار بذلك لأن الخشية متى كانت بالغيب على ما ذكرنا كانت بعيدة من الرياء خالصة لوجه الله وخشية الله بالغيب تنفع بأن يستحق عليها الثواب وخشيته في الظاهر بترك المعاصي لا يستحق بها الثواب فإذا الخشية بالغيب أفضل لا محالة وقيل بالغيب معناه أنه يخشونه ولم يروه فيؤمنون به خوفا من عذابه وقيل يخافونه حيث لا يراهم مخلوق لأن أكثر ما ترتكب المعاصي إنما ترتكب في حال الخلوة فهم يتركون المعصية لئلا يجعلوا الله سبحانه أهون الناظرين إليهم ولأن من تركها في هذه الحال تركها في حال العلانية أيضا «لهم مغفرة» لذنوبهم «وأجر كبير» أي عظيم في الآخرة لا فناء له ثم قال سبحانه مهددا للعصاة «وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور» يعني أنه عالم بإخلاص المخلص ونفاق المنافق فإن شئتم فأظهروا القول وإن شئتم فأبطنوه فإنه عليم بضمائر القلوب ومن علم إضمار القلب علم أسرار القول قال ابن عباس كانوا ينالون من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فيخبره به جبرئيل فقال بعضهم لبعض أسروا قولكم لكيلا يسمع آل محمد فنزلت الآية «ألا يعلم من خلق» قيل في معناه وجوه (أحدها) ألا يعلم ما في الصدور من خلق الصدور (وثانيها) ألا يعلم سر العبد من خلقه أي من خلق العبد فعلى الوجهين يكون «من خلق» بمعنى الخالق (وثالثها) أن يكون من خلق بمعنى المخلوق والمعنى ألا يعلم الله مخلوقة «وهو اللطيف» أي العالم بما لطف ودق وقيل اللطيف بعباده من حيث يدبرهم بألطف التدبير واللطيف التدبير من يدبر تدبيرا نافذا لا يجفو عن شيء يدبره به وقيل اللطيف من كان فعله في اللطف بحيث لا يهتدي إليه غيره وهو فعيل بمعنى فاعل كالقدير والعليم وقيل هو بمعنى الملطف كالبديع بمعنى المبدع وقيل اللطيف الذي يكلف اليسير ويعطي الكثير «الخبير» العالم بالعباد وأعمالهم ثم عدد سبحانه أنواع نعمه ممتنا على عباده بذلك فقال «هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا» أي سهلة ساكنة مسخرة تعملون فيها ما تشتهون وقيل ذلولا لم يجعلها بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة والغلظ وقيل ذلولا موطأة للتصرف فيها والمسير عليها ويمكنكم زراعتها «فامشوا في مناكبها» أي في طرقها وفجاجها عن مجاهد وقيل في جبالها لأن منكب كل شيء أعلاه عن ابن عباس وقتادة ثم إن كان هذا أمر ترغيب فالمراد فامشوا في طاعة الله وإن كان للإباحة فقد أباح المشي فيها لطلب المنافع في التجارات «وكلوا من رزقه» أي كلوا مما أنبت الله في الأرض والجبال من الزروع والأشجار حلالا «وإليه النشور» أي وإلى حكمه المرجع في القيامة وقيل معناه وإليه الإحياء للمحاسبة فهو مالك النشور والقادر عليه عن الجبائي ثم