لأنها مبذولة للبر والفاجر عن أبي علي الجبائي (وثالثها) من تعرض لثواب الدنيا بعمل النوافل مع مواقعة الكبائر جوزي بها في الدنيا دون الآخرة لإحباط عمله بفسقه وهذا على مذهب من يقول بالإحباط «ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها» أي ومن يرد بالجهاد وأعماله ثواب الآخرة نؤته منها فلا ينبغي لأحد أن يطلب بطاعاته غير ثواب الله ومثله قوله تعالى «ومن كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه» الآية ، وقريب منها قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) من طلب الدنيا بعمل الآخرة فما له في الآخرة من نصيب ومن في قوله «منها» يحتمل أن تكون زائدة ويحتمل أن تكون للتبعيض لأنه إنما يستحق الثواب على قدر العمل «وسنجزي الشاكرين» أي نعطيهم جزاء الشكر وفي تكراره قولان (أحدهما) أنه للتأكيد وللتنبيه على عظم منزلة الشاكرين (والثاني) أن معناه وسنجزي الشاكرين من الرزق في الدنيا لئلا يتوهم أن الشاكر يحرم ما يعطى الكافر من نعيم الدنيا عن ابن إسحاق وروى أبان بن عثمان عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه أصاب عليا (عليه السلام) يوم أحد ستون جراحة وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أمر أم سليم وأم عطية أن تداوياه فقالتا أنا لا نعالج منه مكانا إلا انفتق مكان آخر وقد خفنا عليه فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) والمسلمون يعودونه وهو قرحة واحدة فجعل يمسحه بيده ويقول إن رجلا لقي هذا في الله فقد أبلى وأعذر وكان القرح الذي يمسحه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يلتئم فقال علي (عليه السلام) الحمد لله إذ لم أفر ولم أولي الدبر فشكر الله له ذلك في موضعين من القرآن وهو قوله «وسيجزي الله الشاكرين» من الرزق في الدنيا «وسنجزي الشاكرين» قال أبو علي الجبائي وفي هذه الآية دلالة على أن أجل الإنسان إنما هو أجل واحد وهو الوقت الذي يموت فيه لأنه لا ينقطع بالقتل عن الأجل الذي أخبر الله بأنه أجل لموته وقال ابن الإخشيد لا دليل فيه على ذلك لأن للإنسان أجلين أجلا يموت فيه لا محالة وأجلا هو موهبة من الله له ومع ذلك فلن يموت إلا عند الأجل الذي جعله الله أجلا لموته والأقوى الأول .
اتصل قوله «وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله» بما قبله لأنه حث على الجهاد وقيل لأنه تسلية عما حق النفوس من الوجوم بموت النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وقيل للبيان بأن حالهم لا تختلف في التكليف بأن يموت النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فينبغي أن يتمسك بأمره في حياته وبعد وفاته .