و فضل مرداسا على الناس جملة
وإن كل هم همه فهو فاعله ومنها خطور الشيء بالبال وإن لم يقع العزم عليه كقوله «إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما» يعني أن الفشل خطر ببالهم ولو كان الهم هاهنا عزما لما كان الله وليهما لأن العزم على المعصية معصية ولا يجوز أن يكون الله ولي من عزم على الفرار عن نصرة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) ويقوي ذلك قول كعب بن زهير:
فكم فيهم من فارس متوسع
ومن فاعل للخير إن هم أو عزم ففرق بين الهم والعزم ومنها أن يكون بمعنى المقاربة قالوا هم فلان أن يفعل كذا أي كاد يفعله قال ذو الرمة:
أقول لمسعود بجرعاء مالك
وقد هم دمعي أن تلج أوائله والدمع لا يجوز عليه العزم ومعناه كاد وقارب وقال أبو الأسود الدئلي:
وكنت متى تهمم يمينك مرة
لتفعل خيرا تقتفيها شمالكا وعلى هذا جاء قوله جدارا يريد أن ينقض أي يكاد وقال الحارثي:
يريد الرمح صدر أبي براء
ويرغب عن دماء بني عقيل ومنها الشهوة ونيل الطباع يقول القائل فيما يشتهيه ويميل طبعه إليه هذا أهم الأشياء إلي وفي ضده ليس هذا من همي وإذا كانت معاني الهم في اللغة مختلفة يجب أن ينفي عن نبي الله يوسف (عليه السلام) ما لا يليق به وهو العزم على القبيح لأن الدليل قد دل على أن الأنبياء لا يجوز المعاصي والقبائح عليهم وأجزنا عليهم ما سواه من معاني الهم لأن كل واحد من ذلك يليق بحاله .
«ولقد همت به وهم بها لو لا أن رءا برهان ربه» اختلف العلماء فيه على قولين (أحدهما) أنه لم يوجد من يوسف ذنب كبير ولا صغير (والآخر) أنه وجد منه العزم على القبيح ثم انصرف عنه فأما الأولون فإنهم اختلفوا في تأويل الآية على وجوه (أحدها) أن الهم في ظاهر الآية قد تعلق بما لا يصح تعلق العزم به على الحقيقة لأنه قال «ولقد همت به وهم بها» فعلق الهم بهما وذاتاهما لا يجوز أن يرادا ويعزم عليهما لأن الموجود الباقي لا يصح أن يراد ويعزم عليه فإذا حملنا الهم في الآية على العزم فلا بد من تقدير أمر