أنهم قطعوا آمالهم وأطماعهم عن كل شيء سوى الله تعالى ووجوده دون غيره فكنى سبحانه عن الطمع بالنظر ألا ترى أن الرعية تتوقع نظر السلطان وتطمع في إفضاله عليها وإسعافه في حوائجها فنظر الناس مختلف فناظر إلى سلطان وناظر إلى تجارة وناظر إلى زراعة وناظر إلى ربه يؤمله وهذه الأقوال متقاربة في المعنى وعلى هذا فإن هذا الانتظار متى يكون فقيل إنه بعد الاستقرار في الجنة وقيل إنه قبل استقرار الخلق في الجنة والنار فكل فريق ينتظر ما هو له أهل وهذا اختيار القاضي عبد الجبار وذكر جمهور أهل العدل أن النظر يجوز أن يحمل على المعنيين جميعا ولا مانع لنا من حمله على الوجهين فكأنه سبحانه أراد أنهم ينظرون إلى الثواب المعد لهم في الحال من أنواع النعيم وينتظرون أمثالها حالا بعد حال ليتم لهم ما يستحقونه من الإجلال ويسأل على هذا فيقال إذا كان بمعنى النظر بالعين حقيقة وبمعنى الانتظار مجازا فكيف يحمل عليهما والجواب أن عند أكثر المتكلمين في أصول الفقه يجوز أن يراد بلفظة واحدة إذ لا تنافي بينهما وهو اختيار المرتضى قدس الله روحه ولم يجوز ذلك أبو هاشم إلا إذا تكلم به مرتين مرة يريد النظر ومرة يريد الانتظار وأما قولهم المنتظر لا يكون نعيمه خالصا فكيف يوصف أهل الجنة بالانتظار فالجواب عنه أن من ينتظر شيئا لا يحتاج إليه في الحال وهو واثق بوصوله إليه عند حاجته فإنه لا يهتم بذلك ولا يتنغص سروره به بل ذلك زائد في نعيمه وإنما يلحق الهم المنتظر إذا كان يحتاج إلى ما ينتظره في الحال ويلحقه بفوته مضرة وهو غير واثق بالوصول إليه وقد قيل في إضافة النظر إلى الوجوه إن الغم والسرور إنما يظاهران في الوجوه فبين الله سبحانه أن المؤمن إذا ورد يوم القيامة تهلل وجهه وأن الكافر العاصي يخاف مغبة أفعاله القبيحة فيكلح وجهه وهو قوله «ووجوه يومئذ باسرة» أي كالحة عابسة متغيرة «تظن أن يفعل بها فاقرة» أي تعلم وتستيقن أنه يعمل بها داهية تفقر ظهورهم أي تكسرها وقيل إنه على حقيقة الظن أي يظنون حصولها جملة ولا يعلمون تفصيلها وهذا أولى من الأول لأنه لو كان بمعنى العلم لكان أن بعده مخففة من أن الثقيلة على ما ذكر في غير موضع وذكر سبحانه هذه الوجوه الظانة في مقابلة الوجوه الناظرة فهؤلاء يرجون تجديد الكرامة وهؤلاء يظنون حلول الفاقرة فيكون حال الوجوه الراجية للأحوال السارة على الضد من حال الوجوه الظانة للفاقرة .
وجه اتصال قوله «لا تحرك به لسانك» بما قبله أنه لما تقدم ذكر القيامة والوعيد خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقال لا تحرك به لسانك لتعجل قراءته بل كررها عليهم ليتقرر في قلوبهم فإنهم غافلون عن الأدلة ألهاهم حب العاجلة فاحتاجوا إلى زيادة تنبيه وتقرير .