الذي هو فعلهم وإنما كانوا يعبدون الأصنام التي هي الأجسام وقوله «ما تنحتون» هو ما يعملون في المعنى على أن مبنى الآية على التقريع للكفار والإزراء عليهم بقبيح فعلهم ولو كان معناه والله خلقكم وخلق عبادتكم لكانت الآية إلى أن تكون عذرا لهم أقرب من أن تكون لوما وتهجينا ولكان لهم أن يقولوا ولم توبخنا على عبادتها والله تعالى هو الفاعل لذلك فتكون الحجة لهم لا عليهم ولأنه قد أضاف العمل إليهم بقوله «تعملون» فكيف يكون مضافا إلى الله تعالى وهذا تناقض ولما لزمتهم الحجة «قالوا ابنوا له بنيانا» قال ابن عباس بنوا حائطا من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا وملاءوه نارا وطرحوه فيها وذلك قوله «فألقوه في الجحيم» قال الزجاج كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم وقيل إن الجحيم النار العظيمة «فأرادوا به كيدا» أي حيلة وتدبيرا في إهلاكه وإحراقه بالنار «فجعلناهم الأسفلين» بأن أهلكناهم ونجينا إبراهيم وسلمناه ورددنا كيدهم عنه وقيل بأن أشرفوا عليه فرأوه سالما وتحققوا أن كيدهم لا ينفذ فيه وعلموا أنهم مغلوبون «وقال» إبراهيم «إني ذاهب إلى ربي» قال ابن عباس معناه مهاجر إلى ربي أي أهجر ديار الكفار وأذهب إلى حيث أمرني الله تعالى بالذهاب إليه وهي الأرض المقدسة وقيل إني ذاهب إلى مرضاة ربي بعملي ونيتي عن قتادة «سيهدين» أي يهديني ربي فيما بعد إلى طريق المكان الذي أمرني بالمصير إليه أو إلى الجنة بطاعتي إياه قال مقاتل وهو أول من هاجر ومعه لوط وسارة إلى الشام وإنما قال «سيهدين» ترغيبا لمن هاجر معه في الهجرة وتوبيخا لقومه فلما قدم الأرض المقدسة سأل إبراهيم ربه الولد فقال «رب هب لي من الصالحين» أي ولدا صالحا من الصالحين كما تقول أكلت من الطعام فحذف لدلالة الكلام عليه .
فَبَشرْنَهُ بِغُلَم حَلِيم (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعْىَ قَالَ يَبُنىَّ إِنى أَرَى في الْمَنَامِ أَنى أَذْبحُك فَانظرْ مَا ذَا تَرَى قَالَ يَأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ستَجِدُنى إِن شاءَ اللَّهُ مِنَ الصبرِينَ (102) فَلَمَّا أَسلَمَا وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَ نَدَيْنَهُ أَن يَإِبْرَهِيمُ (104) قَدْ صدَّقْت الرُّءْيَا إِنَّا كَذَلِك نجْزِى الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لهَُوَ الْبَلَؤُا الْمُبِينُ (106) وَ فَدَيْنَهُ بِذِبْح عَظِيم (107) وَ تَرَكْنَا عَلَيْهِ في الاَخِرِينَ (108) سلَمٌ عَلى إِبْرَهِيمَ (109) كَذَلِك نجْزِى الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَ بَشرْنَهُ بِإِسحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصلِحِينَ (112) وَ بَرَكْنَا عَلَيْهِ وَ عَلى إِسحَقَ وَ مِن ذُرِّيَّتِهِمَا محْسِنٌ وَ ظالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)