و غلا بسهمه غلوا إذا رمى به أقصى الغاية وتغالى الرجلان تفاعلا من ذلك وأصل المسيح الممسوح سماه الله بذلك لتطهيره إياه من الذنوب والأدناس التي تكون في الآدميين وقيل أنه سرياني وأصله مشيحا فعربت كما عربت أسماء الأنبياء وقيل أنه ليس مثل ذلك فإن إسحاق ويعقوب وإسماعيل وغيرها أسماء لا صفات والمسيح صفة ولا يجوز أن يخاطب الله خلقه في صفة شيء إلا بما يفهم وأما الدجال فإنه سمي المسيح لأنه ممسوح العين اليمني أو اليسرى وعيسى ممسوح البدن من الأدناس والآثام كما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) .
ثلاثة خبر مبتدإ محذوف دل عليه ظاهر الكلام وتقديره لا تقولوا هم ثلاثة وكذلك كل ما ورد من مرفوع بعد القول لا رافع معه ففيه إضمار اسم رافع لذلك الاسم وإنما جاز ذلك لأن القول حكاية والحكاية تكون لكلام تام «انتهوا خيرا لكم» قد ذكرنا وجه النصب في خيرا فيما قبل وأن يكون في موضع نصب أي سبحانه من أن يكون فلما حذف حرف الجر وصل إليه الفعل فنصبه وقيل في موضع جر وقد مر نظائره .
ثم عاد سبحانه إلى حجاج أهل الكتاب فقال «يا أهل الكتاب» قيل أنه خطاب لليهود والنصارى عن الحسن قال لأن النصارى غلت في المسيح فقالت هو ابن الله وبعضهم قال هو الله وبعضهم قال هو ثالث ثلاثة الأب والابن وروح القدس واليهود غلت فيه حتى قالوا ولد لغير رشدة فالغلو لازم للفريقين وقيل للنصارى خاصة عن أبي علي وأبي مسلم وجماعة من المفسرين «لا تغلوا في دينكم» أي لا تفرطوا في دينكم ولا تجاوزوا الحق فيه «ولا تقولوا على الله إلا الحق» أي قولوا إنه جل جلاله واحد لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد ولا تقولوا في عيسى أنه ابن الله أو شبهه فإنه قول بغير الحق «إنما المسيح» وقد ذكرنا معناه وقيل سمي بذلك لأنه كان يمسح الأرض مشيا «عيسى بن مريم» هذا بيان لقوله المسيح يعني أنه ابن مريم لا ابن الله كما يزعمه النصارى ولا ابن أب كما تزعمه اليهود «رسول الله» أرسله الله إلى الخلق لا كما زعم الفرقتان المبطلتان «وكلمته» يعني أنه حصل بكلمته التي هي قوله كن عن الحسن وقتادة وقيل معناه أنه يهتدي به الخلق كما اهتدوا بكلام الله ووحيه عن أبي علي الجبائي وقيل معناه بشارة الله التي بشر بها مريم على لسان الملائكة كما قال وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة وهو المراد بقوله «ألقاها