فجعل يرسل حالا فإن الجار في قوله «أو من وراء حجاب» متعلق بمحذوف ويكون في الظرف ذكر من ذي الحال فيكون قوله «إلا وحيا» على هذا التقدير مصدرا وقع موقع الحال كقولك جئت ركضا وأتيت عدوا ويكون من في أنه مع ما انجر به في موضع الحال كقوله «ومن الصالحين» بعد قوله «ويكلم الناس في المهد وكهلا» ومعنى «أو من وراء حجاب» فمن قدر الكلام استثناء منقطعا أو حالا ، يكلمهم غير مجاهر لهم بكلامه يريد أن كلامه يسمع ويحدث من حيث لا يرى كما يرى سائر المتكلمين وليس أن ثم حجابا يفصل موضعا من موضع فيدل ذلك على تحديد المحجوب ومن رفع يرسل كان في موضع نصب على الحال والمعنى هذا كلامه إياهم كما يقول تحيتك الضرب وعتابك السيف .
ثم ذكر سبحانه أجل النعم وهي النبوة فقال «وما كان لبشر أن يكلمه الله» أي ليس لأحد من البشر أن يكلمه الله «إلا» أن يوحي إليه «وحيا» وهو داود أوحي في صدره فزبر الزبور «أو من وراء حجاب» أي ويكلمه من وراء حجاب وهو موسى (عليه السلام) «أو يرسل رسولا» وهو جبرائيل أرسل إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن مجاهد وقيل معناه ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا بمثل ما يكلم به عباده من الأمر بطاعته والنهي عن معاصيه وتنبيه إياهم على ذلك من جهة الخاطر أو المنام وما أشبه ذلك على سبيل الوحي وسماه وحيا لأن الوحي في اللغة ما جرى مجرى الإيماء والتنبيه على الشيء من غير أن يفصح به «أو من وراء حجاب» وهو أن يحجب ذلك الكلام عن جميع خلقه إلا من يريد أن يكلمه به نحو كلامه لموسى (عليه السلام) لأنه حجب ذلك عن جميع الخلق إلا عن موسى (عليه السلام) وحده وفي المرة الثانية حجبه عن جميع الخلق إلا عن موسى والسبعين الذين كانوا معه وقد يقال أنه حجب عنهم موضع الكلام الذي أقام الكلام فيه فلم يكونوا يدرون من أين يسمعونه لأن الكلام عرض لا يقوم إلا في جسم ولا يجوز أن يكون أراد بقوله أن الله تعالى كان من وراء حجاب يكلم عباده لأن الحجاب لا يجوز إلا على الأجسام المحدودة وعنى بقوله «أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء» إرساله ملائكته بكتبه وكلامه إلى أنبيائه ليبلغوا ذلك عنه عباده فهذا أيضا ضرب من الكلام الذي يكلم الله به عباده ويأمرهم فيه وينهاهم من غير أن يكلمهم على سبيل ما كلم به موسى وهو خلاف الوحي الذي ذكر في أول الآية لأنه تنبيه خاطر وليس فيه إفصاح عن أبي علي الجبائي وقال الزجاج معناه أن كلام الله للبشر إما أن يكون بإلهام يلهمهم أو بكلام من وراء حجاب كما كلم موسى أو برسالة ملك إليهم فيوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن الله ما يشاء الله «إنه علي» عن الإدراك بالأبصار «حكيم» في