عباده وفيها دلالة أيضا على أنه (عليه السلام) كان يدعو إلى الله في كل أوقاته وإن كان يبين الشرائع في أوقات ما وفيها دلالة أيضا على أن الواجب في السعي أن يكون على ثقة وبصيرة ودلالة قاطعة وذلك يوجب فساد التقليد «وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى» بين سبحانه أنه إنما أرسل الرسل من أهل الأمصار لأنهم أرجح عقلا وعلما من أهل البوادي لبعد أهل البوادي عن العلم وأهله عن قتادة وقال الحسن لم يبعث الله نبيا قط من أهل البادية ولا من الجن ولا من النساء وذلك أن أهل البادية يغلب عليهم القسوة والجفاء وأهل الأمصار أحد فطنا «أفلم يسيروا في الأرض» أي أفلم يسر هؤلاء المشركون المنكرون لنبوتك يا محمد في الأرض «فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم» من الأمم المكذبين لرسلهم وكيف أهلكهم الله بعذاب الاستئصال فيعتبروا بهم ويحذروا مثل ما أصابهم «ولدار الآخرة خير للذين اتقوا» يقول هذا صنيعنا بأهل الإيمان والطاعة في دار الدنيا إذ أهلكنا عدوهم ونجيناهم من شرهم ولدار الآخرة خير لهم من دار الدنيا ونعيمها وروى أبو سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال لشبر من الجنة خير من الدنيا وما فيها قال الزجاج قال الله سبحانه في غير هذا الموضع الدار الآخرة .
فالآخرة نعت للدار لأن لجميع الخلق دارين الدار التي خلقوا فيها وهي الدنيا والدار الآخرة هي التي يعادون فيها خلقا جديدا فإذا قال دار الآخرة فكأنه قال دار الحال الآخرة لأن للناس حالين حال الدنيا وحال الآخرة ومثل هذا في الكلام الصلاة الأولى وصلاة الأولى فمن قال الصلاة الأولى جعل الأولى نعتا للصلاة ومن قال صلاة الأولى أراد صلاة الفريضة الأولى والساعة الأولى «أفلا تعقلون» أي أفلا يفهمون ما قيل لهم فيعلمون .
حَتى إِذَا استَيْئَس الرُّسلُ وَ ظنُّوا أَنهُمْ قَدْ كذِبُوا جَاءَهُمْ نَصرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشاءُ وَ لا يُرَدُّ بَأْسنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كانَ في قَصصِهِمْ عِبرَةٌ لأُولى الأَلْبَبِ مَا كانَ حَدِيثًا يُفْترَى وَ لَكن تَصدِيقَ الَّذِى بَينَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ كلِّ شىْء وَ هُدًى وَ رَحْمَةً لِّقَوْم يُؤْمِنُونَ (111)
قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر «كذبوا» بالتخفيف وهي قراءة علي وزين العابدين