«أم اتخذوا» أم هذه هي المنقطعة وليست المعادلة لهمزة الاستفهام في مثل قولك أزيد عندك أم عمرو وقوله «لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا» إلا هذه صفة لآلهة وتقديره غير الله عما يفعل ما هذه الأجود أن تكون مصدرية ويحتمل أن تكون اسما .
ثم عاد سبحانه إلى توبيخ المشركين فقال «أم اتخذوا آلهة من الأرض» هذا استفهام معناه الجحد أي لم يتخذوا آلهة من الأرض «هم ينشرون» أي يحيون الأموات عن مجاهد يقال أنشر الله الموتى فنشروا أي أحياهم فحيوا وهو من النشر بعد الطي لأن المحيا كأنه كان مطويا بالقبض عن الإدراك فأنشر بالحياة والمعنى في ذلك أن هؤلاء إذا كانوا لا يقدرون على الإحياء الذي من قدر عليه قدر على أن ينعم بالنعم التي يستحق بها العبادة فكيف يستحقون العبادة قال الزجاج ومن قرأ ينشرون بفتح الياء فمعناه لا يموتون أبدا ويبقون أحياء أي لا يكون ذلك وأقول قد يجوز أن يكون ينشرون وينشرون بمعنى يقال نشر الله الميت بمعنى أنشر ثم ذكر سبحانه الدلالة على توحيده وأنه لا يجوز أن يكون معه إله سواه فقال «لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا» ومعناه لو كان في السماء والأرض آلهة سوى الله لفسدتا وما استقامتا وفسد من فيهما ولم ينتظم أمرهم وهذا هو دليل التمانع الذي بنى عليه المتكلمون مسألة التوحيد وتقرير ذلك أنه لو كان مع الله سبحانه إله آخر لكانا قديمين والقدم من أخص الصفات فالاشتراك فيه يوجب التماثل فيجب أن يكونا قادرين عالمين حيين ومن حق كل قادرين أن يصح كون أحدهما مريدا لضد ما يريده الآخر من إماتة وإحياء أو تحريك وتسكين أو إفقار وإغناء ونحو ذلك فإذا فرضنا ذلك فلا يخلو إما أن يحصل مرادهما وذلك محال وإما أن لا يحصل مرادهما فينتقض كونهما قادرين وإما أن يقع مراد أحدهما ولا يقع مراد الآخر فينتقض كون من لم يقع مراده من غير وجه منع معقول قادرا فإذا لا يجوز أن يكون الإله إلا واحدا ولو قيل إنهما لا يتمانعان لأن ما يريده أحدهما يكون حكمة فيريده الآخر بعينه والجواب أن كلامنا في صحة التمانع لا في وقوع التمانع وصحة التمانع يكفي في الدلالة لأنه يدل على أنه لا بد من أن يكون أحدهما متناهي المقدور فلا يجوز أن يكون إلها ثم نزه سبحانه نفسه عن أن يكون معه إله فقال «سبحان الله رب العرش عما يصفون» وإنما خص العرش لأنه أعظم المخلوقات ومن قدر على أعظم المخلوقات كان قادرا على ما دونه «لا يسأل عما يفعل وهم يسألون» معناه أن جميع أفعاله حكمة وصواب ولا يقال للحكيم لم فعلت الصواب وهم يسألون لأنهم يفعلون الحق والباطل وقيل معناه أنه لا يسأل عن ادعاء الربوبية وهم مسئولون إذا ادعوها ويدل على هذا التأويل النظم والسياق وقيل معناه لا يحاسب على أفعاله وهم يحاسبون على أفعالهم وقيل معناه أنه لا يسأله الملائكة والمسيح