قوله «لجنبه» في موضع نصب على الحال تقديره دعانا منبطحا لجنبه أو دعانا قائما ويجوز أن يكون تقديره إذا مس الإنسان الضر لجنبه أو مسه قاعدا أو مسه قائما دعانا وموضع الكاف من كذلك نصب على مفعول ما لم يسم فاعله أي زين للمسرفين عملهم مثل ذلك .
ثم عاد الكلام إلى ذكر المائلين إلى الدنيا المطمئنين إليها الغافلين عن الآخرة فقال «ولو يعجل الله للناس الشر» أي إجابة دعوتهم في الشر إذا دعوا به على أنفسهم وأهاليهم عند الغيظ والضجر واستعجلوه مثل قول الإنسان رفعني الله من بينكم وقوله لولده اللهم ألعنه ولا تبارك فيه «استعجالهم بالخير» أي كما يعجل لهم إجابة الدعوة بالخير إذا استعجلوها «لقضي إليهم أجلهم» أي لفرغ من إهلاكهم ولكن الله تعالى لا يعجل لهم الهلاك بل يمهلهم حتى يتوبوا وقيل معناه ولو يعجل الله للناس العقاب الذي استحقوه بالمعاصي كما يستعجلونهم خير الدنيا وربما أجيبوا إلى ما سألوه إذا اقتضت المصلحة ذلك لفنوا لأن بنية الإنسان في الدنيا لا تحتمل عقاب الآخرة بل لا تحتمل ما دونه والله سبحانه يوصله إليهم في وقته وسمي العقاب شرا من جهة المشقة والأذى الذي فيه وفائدته أنه لو تعجلت العقاب لزال التكليف ولا يزول التكليف إلا بالموت وإذا عوجلوا بالموت لم يبق أحد «فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون» أي فندع الذين لا يخافون البعث والحساب يتحيرون في كفرهم وعدولهم عن الحق إلى الباطل وتمردهم في الظلم .
والعمة شدة الحيرة ثم أخبر سبحانه عن قلة صبر الإنسان على الضرر والشدائد فقال «وإذا مس الإنسان الضر» أي المشقة والبلاء والمحنة من محن الدنيا «دعانا لجنبه» أي دعانا لكشفه مضطجعا «أو قاعدا أو قائما» أي على أي حال كان عليها واجتهد في الدعاء وسؤال العافية وليس غرضه بذلك نيل ثواب الآخرة وإنما غرضه زوال ما هو من الألم والشدة وقيل إن تقديره وإذا مس الإنسان الضر مضطجعا أو قاعدا أو قائما دعانا لكشفه وفيه تقديم وتأخير «فلما كشفنا عنه ضره» أي فلما أزلنا عنه ذلك الضرر ووهبنا له العافية «مر» أي استمر على طريقته الأولى معرضا عن شكرنا «كأن لم يدعنا إلى ضر مسه» أي كأن لم يدعنا قط لكشف ضره ولم يسألنا إزالة الألم عنه «كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون» أي كما زين لهم الشيطان وأقرانهم الغواة ترك الدعاء عند الرخاء زينوا للمسرفين أي للمشركين عملهم عن الحسن ويحتمل أن يكون زين المسرفون بعضهم لبعض وإن لم يضف التزيين إليهم فهو كقولهم فلان معجب بنفسه وقد حث الله سبحانه بهذه الآية الذين منحوا الرخاء بعد الشدة والعافية بعد البلية على أن يتذكروا حسن صنع الله إليهم وجزيل نعمته عليهم ويشكروه على ذلك