فحمل عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أسامة بن زيد فكأن زيدا وجد في نفسه وقال إنما أردت أن أتصدق به فقال رسول الله أما إن الله قد قبلها منك وأعتق ابن عمر جارية كان يحبها وتلا هذه الآية وقال لو لا أني لا أعود في شيء جعلته لله تعالى لنكحتها وأضاف أبو ذر الغفاري ضيفا فقال للضيف إني مشغول وإن لي إبلا فاخرج وأتني بخيرها فذهب فجاء بناقة مهزولة فقال له أبو ذر خنتني بهذه فقال وجدت خير الإبل فحلها فذكرت يوم حاجتكم إليه فقال أبو ذر إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي مع أن الله يقول «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون» وقال أبو ذر في المال ثلاثة شركاء القدر لا يستأمرك أن يذهب بخيرها أو شرها من هلك أو موت والوارث ينتظرك أن تضع رأسك ثم يستاقها وأنت ذميم وأنت الثالث فإن استطعت أن لا تكون أعجز الثلاثة فلا تكن إن الله يقول «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون» وإن هذا الجمل كان مما أحب من مالي فأحببت أن أقدمه لنفسي وقال بعضهم دلهم بهذه الآية على الفتوة فقال «لن تنالوا البر» أي بري بكم إلا ببركم بإخوانكم والإنفاق عليهم من مالكم وجاهكم وما تحبون فإذا فعلتم ذلك نالكم بري وعطفي «وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم» جاء بالفاء على جواب الشرط وإن كان الله يعلم ذلك على كل حال وفيه وجهان (أحدهما) أن تقديره وما تنفقوا من شيء فإن الله يجازيكم به قل أو كثر لأنه عليم لا يخفى عليه شيء منه (والآخر) أن تقديره فإنه يعلمه الله موجودا على الحد الذي تفعلونه من حسن النية أو قبحها فإن قيل كيف قال سبحانه «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون» والفقير ينال الجنة وإن لم ينفق قيل الكلام خرج مخرج الحث على الإنفاق وهو مقيد بالإمكان وإنما أطلق على سبيل المبالغة في الترغيب والأولى أن يكون المراد لن تنالوا البر الكامل الواقع على أشرف الوجوه حتى تنفقوا مما تحبون وروي عن ابن عمر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) سئل عن هذه الآية فقال هو أن ينفق العبد المال وهو شحيح يأمل الدنيا ويخاف الفقر .
وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما ذكر في الآية الأولى «لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا» وصل ذلك بقوله «لن تنالوا البر حتى تنفقوا» لئلا يؤدي امتناع غناء الفدية إلى الفتور في الصدقة وما جرى مجراها من وجوه الطاعة .