فهرس الكتاب

الصفحة 1386 من 4264

الله تعالى (وثانيها) أنه إنما قال ذلك قبل بلوغه ولما قارب كمال العقل حركته الخواطر فيما شاهده من هذه الحوادث فلما رأى الكوكب ونوره وإشراقه وزهوره ظن أنه ربه فلما أفل وانتقل من حال إلى حال قال لا أحب الآفلين «فلما رءا القمر بازغا» عند طلوعه ورأى كبره وإشراقه وانبساط نوره وضيائه في الدنيا «قال هذا ربي فلما أفل» وصار مثل الكوكب في الأفول والغيبوبة وعلم أنه لا يجوز أن يكون ذلك صفة الإله «قال لئن لم يهدني ربي» إلى رشدي ولم يوفقني ويلطف بي في إصابة الحق من توحيده «لأكونن من القوم الضالين» بعبادة هذه الحوادث «فلما رءا الشمس بازغة» أي طالعة وقد ملأت الدنيا نورا ورأى عظمها وكبرها «قال هذا ربي هذا أكبر» من الكوكب والقمر «فلما أفلت قال» حينئذ لقومه «يا قوم إني بريء مما تشركون» مع الله الذي خلقني وخلقكم في عبادته من آلهتكم فلما أكمل الله عقله وضبط بفكره النظر في حدوث الأجسام بأن وجدها غير منفكة من المعاني المحدثة وأنه لا بد لها من محدث قال حينئذ لقومه «إني وجهت وجهي» أي نفسي «للذي فطر السماوات والأرض حنيفا» أي مخلصا مائلا عن الشرك إلى الإخلاص «وما أنا من المشركين» وهذا اختيار أبي علي الجبائي ويسأل عن القول الأول كيف قال (عليه السلام) هذا ربي مخبرا وهو غير عالم بما يخبر به والإخبار بما لا يأمن المخبر أن يكون فيه كاذبا قبيح والجواب عنه من وجهين (أحدهما) أنه لم يقل ذلك مخبرا وإنما قاله فارضا ومقدرا على سبيل التأمل كما يفرض أحدنا إذا نظر في حدوث الأجسام كونها قديمة ليتبين ما يؤدي إليه الفرض من الفساد ولا يكون بذلك مخبرا في الحقيقة (والآخر) أنه أخبر عن ظنه وقد يجوز أن يظن المتفكر في حال فكره ونظره ما لا أصل له ثم يرجع عنه بالأدلة .

(سؤال آخر) كيف تعجب إبراهيم (عليه السلام) من رؤية هذه الأشياء تعجب من لم يكن رآها وكيف يجوز أن يكون مع كمال عقله لم يشاهد السماء والكواكب والجواب أنه لا يمتنع أن يكون (عليه السلام) ما رأى السماء إلا في ذلك الوقت لأنه قد روي أن أمه كانت ولدته في مغارة خوفا من أن يقتله نمرود ومن يكون في المغارة لا يرى السماء فلما قارب البلوغ وبلغ حد التكليف خرج من المغارة ورأى السماء وقد يجوز أيضا أن يكون قد رأى السماء قبل ذلك إلا أنه لم يفكر في إعلامها لأن الفكر لم يكن واجبا عليه وحين كمل عقله فكر في ذلك (وثالثها) أن إبراهيم (عليه السلام) لم يقل «هذا ربي» على طريق الشك بل كان عالما موقنا أن ربه سبحانه لا يجوز أن يكون بصفة الكواكب وإنما قال ذلك على سبيل الإنكار على قومه والتنبيه لهم على أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت