وَ اذْكُرْ في الْكِتَبِ مَرْيمَ إِذِ انتَبَذَت مِنْ أَهْلِهَا مَكانًا شرْقِيًّا (16) فَاتخَذَت مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشرًا سوِيًّا (17) قَالَت إِنى أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنك إِن كُنت تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسولُ رَبِّكِ لأَهَب لَكِ غُلَمًا زَكيًّا (19) قَالَت أَنى يَكُونُ لى غُلَمٌ وَ لَمْ يَمْسسنى بَشرٌ وَ لَمْ أَك بَغِيًّا (20)
قرأ أبو عمرو وورش وقالون برواية الحلواني ويعقوب ليهب بالياء والباقون «لأهب» بالهمزة .
قال أبو علي: حجة من قال «لأهب» فأسند الفعل إلى المتكلم والهبة لله تعالى ومنه إن الرسول والوكيل قد يسند هذا النحو إلى نفسه وإن كان الفعل للموكل أو المرسل للعلم بأنه مترجم عنه ومن قال ليهب لك فهو على تصحيح اللفظ في المعنى ففي قوله تعالى ليهب ضمير من قوله «ربك» وهو سبحانه الواهب وزعموا أن في حرفي أبي وابن مسعود ليهب ولو خففت الهمزة من «لأهب» لكان في قول أبي الحسن ليهب فتقلبها ياء محضة وفي قول الخليل «لأهب» يجعلها بين الياء والهمزة .
النبذ أصله الطرح والانتباذ افتعال منه ومنه قوله «فنبذوه وراء ظهورهم» أي ألقوه وانتبذ فلان ناحية أي تنحى ناحية وجلس فلان نبذة من الناس ونبذة بفتح النون وضمها أي ناحية وإنما يقال ذلك إذا جلس قريبا منهم حتى لو نبذوا إليه شيئا لوصل إليه فالانتباذ اتخاذ الشيء بإلقاء غيره عنه والمكان الشرقي الذي كان في جهة الشرق قال جرير:
هبت جنوب فذكرى ما ذكرتكم
عند الصفاة إلى شرقي حورانا .
مكانا نصب على الظرف «بشرا سويا» منصوب على الحال .
ثم عطف سبحانه قصة مريم وعيسى (عليهماالسلام) على قصة زكريا ويحيى (عليهماالسلام) فقال «واذكر في الكتاب» أي في كتابك هذا وهو القرآن «مريم» أي حديث مريم وولادتها عيسى وصلاحها ليقتدي الناس بها ولتكون معجزة لك «إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا» أي انفردت من أهلها إلى مكان في جهة المشرق وقعدت ناحية منهم قال ابن عباس: إنما اتخذت النصارى المشرق قبلة لأنها انتبذت مكانا شرقيا وقيل اتخذت مكانا تنفرد فيه للعبادة لئلا تشتغل بكلام الناس عن الجبائي وقيل تباعدت عن قومها حتى لا يرونها عن الأصم وأبي مسلم وقيل إنها تمنت أن تجد خلوة فتفلي رأسها فخرجت من يوم شديد البرد فجلست في مشرقة للشمس عن عطا «فاتخذت من دونهم حجابا» أي فضربت من دون أهلها لئلا يروها سترا وحاجزا بينها وبينهم «فأرسلنا إليها روحنا» يعني جبرائيل (عليه السلام) عن ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم وسماه الله روحا لأنه روحاني وأضافه إلى نفسه تشريفا له «فتمثل لها بشرا سويا» معناه فأتاها جبرائيل فانتصب بين يديها في صورة آدمي صحيح لم ينقص منه