كانوا يقولونه على وجه التجبر كما يقول القائل لغيره أنصت لكلامنا وتفهم عنا وإنما يكون هو من المراعاة التي هي المراقبة «ليا بألسنتهم» أي تحريكا منهم لألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه «وطعنا في الدين» أي وقيعة فيه «ولو أنهم قالوا سمعنا» قولك «وأطعنا» أمرك وقبلنا ما جئتنا به «واسمع» منا «وانظرنا» أي انتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا «لكان خيرا لهم» يعني أنفع لهم عاجلا وآجلا «وأقوم» أي أعدل وأصوب في الكلام من الطعن والكفر في الدين «ولكن لعنهم الله بكفرهم» أي طردهم عن ثوابه ورحمته لسبب كفرهم ثم أخبر الله عنهم فقال «فلا يؤمنون» في المستقبل «إلا قليلا» منهم فخرج مخبره على وفق خبره فلم يؤمن منهم إلا عبد الله بن سلام وأصحابه وهم نفر قليل ويقال معناه لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا أي ضعيفا لا إخلاص فيه ولكنهم عصموا دماءهم وأموالهم به ويجوز أن يكون المعنى فلا يؤمنون إلا بقليل مما يجب الإيمان به .
الطمس هو عفو الأثر والطامس والداثر والدارس بمعنى والأدبار جمع دبر وأصله من الدبر يقال دبره يدبره دبرا فهو دابر إذا صار خلفه والدابر التابع وقوله «والليل إذ أدبر» معناه تبع النهار والتدبير إحكام أدبار الأمور وهي عواقبها .
ثم خاطب الله أهل الكتاب بالتخويف والتحذير فقال «يا أيها الذين أوتوا الكتاب» أي أعطوا علم الكتاب «آمنوا» أي صدقوا «بما نزلنا» يعني بما نزلناه على محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) من القرآن وغيره من أحكام الدين «مصدقا لما معكم» من التوراة والإنجيل اللذين تضمنتا صفة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلّم) وصحة ما جاء به «من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها» واختلف في معناه على أقوال (أحدها) أن معناه من قبل أن نمحو آثار وجوهكم حتى تصير كالأقفية ونجعل عيونها في أقفيتها فتمشي القهقرى عن ابن عباس وعطية العوفي (وثانيها) إن المعنى أن نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها في ضلالتها ذما لها بأنها لا تفلح أبدا عن الحسن ومجاهد والضحاك والسدي ورواه أبو الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام ) )