فهرس الكتاب

الصفحة 1868 من 4264

الحكمة تمنع منه وإنما كان يدل على أنه لا ينبغي أن يختاره ومعناه لم يجعل الله في دينه ولا في حكمه أن يستغفروا للمشركين ولو دعتهم رقة القرابة وشفقة الرحم إلى الاستغفار لهم بعد ما ظهر أن لهم عذابا عظيما ثم بين سبحانه الوجه في استغفار إبراهيم لأبيه مع كونه كافرا سواء كان أباه الذي ولده أو جده لأمه أو عمه على ما رواه أصحابنا فقال «وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه» أي لم يكن استغفاره له إلا صادرا عن موعدة وعدها إياه واختلف في صاحب هذه الموعدة هل هو إبراهيم وأبوه فقيل أن الموعدة كانت من الأب وعد بها إبراهيم أنه يؤمن أن استغفر له لذلك «فلما تبين له أنه عدو لله» ولا يفي بما وعد «تبرأ منه» وترك الدعاء له وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة إلا أنهم قالوا إنما تبين عداوته لما مات على كفره وقيل أن الموعدة كانت من إبراهيم قال لأبيه إني أستغفر لك ما دمت حيا وكان يستغفر له مقيدا بشرط الإيمان فلما آيس من إيمانه تبرأ منه وهذا يوافق قراءة الحسن إلا عن موعدة وعدها أباه ويقويه قوله إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء «إن إبراهيم لأواه» أي دعاء كثير الدعاء والبكاء عن ابن عباس وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) وقيل الأواه الرحيم بعباد الله عن الحسن وقتادة وقيل هو الذي إذا ذكر النار قال أوه عن كعب وقيل الأواه المؤمن بلغة الحبشة عن ابن عباس وقيل الأواه الموقن المستيقن عن مجاهد وعكرمة وقيل الأواه العفيف عن النخعي وقيل هو الراجع عن كل ما يكره الله عز وجل عن عطا وقيل هو الخاشع المتضرع رواه عبد الله بن شداد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وقيل هو المسبح الكثير الذكر لله سبحانه عن عقبة بن عامر وقيل هو المتأوه شفقا وفرقا المتضرع يقينا بالإجابة ولزوما للطاعة عن أبي عبيدة وقال الزجاج وقد انتظم قول أبي عبيدة أكثر ما روي في الأواه «حليم» يقال بلغ من حلم إبراهيم (عليه السلام) إن رجلا قد أذاه وشتمه فقال له هداك الله وقيل الحليم السيد عن ابن عباس وأصله أنه الصبور على الأذى الصفوح عن الذنب .

لما تقدم ذكر الكفار والمنافقين والمنع من موالاتهم والصلاة عليهم والقيام على قبرهم للدعاء لهم نهي عن دعائهم بعد موتهم ولما نهى الله النبي والمؤمنين عن الاستغفار للمشركين ذكر قصة إبراهيم وعذره في الاستغفار لأبيه وأما قوله «إن إبراهيم لأواه حليم» فإنما اتصل بما قبله بأنه إذا كان له صفة الرأفة والرحمة يكون في دعائه أخلص وعلى خلاص أقربائه من العذاب أحرص ومع ذلك تبرأ منه لما يئس من فلاحه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت