فأجابهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى ذلك فقالا له اكتب لنا بهذا على نفسك كتابا فدعا بصحيفة وأحضر عليا ليكتب قال ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبرائيل (عليه السلام) بقوله «ولا تطرد الذين يدعون» إلى قوله «أليس الله بأعلم بالشاكرين» فنحى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) الصحيفة وأقبل علينا ودنونا منه وهو يقول كتب ربكم على نفسه الرحمة فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله عز وجل «واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم» الآية قال فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يقعد معنا ويدنو حتى كادت ركبتنا تمس ركبته فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم وقال لنا الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات .
ثم نهى سبحانه رسوله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن إجابة المشركين فيما اقترحوه عليه من طرد المؤمنين فقال «ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي» يريد يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة يعني صلاة الصبح والعصر عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وقيل إن المراد بالدعاء هاهنا الذكر أي يذكرون ربهم طرفي النهار عن إبراهيم وروي عنه أيضا أن هذا في الصلوات الخمس «يريدون وجهه» يعني يطلبون ثواب الله ويعملون ابتغاء مرضاة الله لا يعدلون بالله شيئا عن عطا قال الزجاج شهد الله لهم بصدق النيات وأنهم مخلصون في ذلك له أي يقصدون الطريق الذي أمرهم بقصده فكأنه ذهب في معنى الوجه إلى الجهة والطريق «ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء» يريد ما عليك من حساب المشركين شيء ولا عليهم من حسابك شيء إنما الله الذي يثيب أولياءه ويعذب أعداءه عن ابن عباس في رواية عطا وأكثر المفسرين يردون الضمير إلى الذين يدعون ربهم وهو الأشبه وذكروا فيه وجهين (أحدهما) ما عليك من عملهم ومن حساب عملهم من شيء عن الحسن وابن عباس وهذا كقوله تعالى في قصة نوح إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون وهذا لأن المشركين أزدروهم لفقرهم وحاجتهم إلى الأعمال الدينية وهم برفع المشركين عليهم في المجلس فقيل له ما عليك من حسابهم من شيء أي لا يلزمك عار بعملهم «فتطردهم» ثم قال «وما من حسابك عليهم من شيء» تأكيدا لمطابقة الكلام وإن كان مستغنى عنه بالأول (الوجه الثاني) ما عليك من حساب رزقهم من شيء فتملهم وتطردهم أي ليس رزقهم عليك ولا رزقك عليهم وإنما يرزقك وإياهم الله الرازق فدعهم يدنوا منك ولا تطردهم «فتكون من الظالمين» لهم بطردهم عن ابن زيد وقيل فتكون من