صورة الحجة والجدال هو فتل الخصم إلى المذهب بحجة أو شبهة أو إيهام في الحقيقة لأن أصله من الجدل وهو شدة الفتل والحجة هي البيان الذي شهد بصحة المقال وهو والدلالة بمعنى واحد .
«ها أنتم» للتنبيه وقد كثر التنبيه في هذا ولم يكثر في ها أنت لأن ذا مبهم من حيث يصلح لكل حاضر والمعنى فيه واحد بعينه مما يصلح له فقوي بالتنبيه لتحريك النفس على طلبه بعينه وليس كذلك أنت لأنه لا يصلح لكل حاضر في الجملة وإنما هو للمخاطب وخبر هؤلاء على أن أولاء بمعنى الذين وما بعده صلة له .
قال ابن عباس والحسن وقتادة إن أحبار اليهود ونصارى نجران اجتمعوا عند رسول الله فتنازعوا في إبراهيم فقالت اليهود ما كان إلا يهوديا وقالت النصارى ما كان إلا نصرانيا فأنزل الله هذه الآية .
«يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم» أي لم تنازعون وتجادلون فيه وتدعون أنه على دينكم «وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده» أي من بعد إبراهيم «أفلا تعقلون» إن الإقامة على الدعوى من غير برهان غير جائزة في العقل فكيف يجوز الإقامة على الدعوى بعد ما ظهر فسادها فإن قيل لو دل نزول التوراة والإنجيل بعد إبراهيم على أنه لم يكن على اليهودية والنصرانية لوجب أن يدل نزول القرآن بعده على أنه لم يكن على الإسلام فالجواب أن الكل متفقون على أنه متسم باسم الإسلام غير أن اليهود ادعوا أن الإسلام هو اليهودية والنصارى ادعوا أنه هو النصرانية والتوراة والإنجيل أنزلتا من بعد إبراهيم واسمه فيهما اسم الإسلام وليس في واحد منهما أنه كان على دين اليهودية والنصرانية وأما القرآن وإن كان منزلا بعده ففيه وصف إبراهيم بدين الإسلام ونفي اليهودية والنصرانية عنه ففي هذا أوضح حجة على أنه كان مسلما وأن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلّم) وأمته الذين لهم اسم الإسلام أولى به منهم وقد قيل إن اليهود اعتقدوا أن اليهودي اسم لمن تمسك بالتوراة واعتقد شريعته والنصارى اعتقدوا أن النصراني اسم لمن تمسك بالإنجيل واعتقد شريعته فرد الله تعالى دعوى الفريقين وأخبر أن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعد إبراهيم فكيف يكون متمسكا بحكمهما وأما نحن فلم ندع أن المسلم هو المتمسك بحكم القرآن إذ