الخبر كأنه اصطفى البنات فيما يقولون كقوله ذق إنك أنت العزيز الكريم أي عند نفسك وفيما كنت تقوله وتذهب إليه ويجوز أن يكون «اصطفى البنات» بدلا من قوله «ولد الله» لأن ولادة البنات واتخاذهن اصطفاؤهن فيصير «اصطفى» بدلا من المثال الماضي كما كان قوله يضاعف له العذاب بدلا من قوله يلق أثاما ويجوز أن يكون «اصطفى البنات» تفسيرا لكذبهم في قوله «وإنهم لكاذبون» كما أن قوله لهم مغفرة تفسير للوعد ويجوز أن يكون متعلقا بالقول على أنه أريد حرف العطف فلم يذكر واستغني بما في الجملة الثانية من الاتصال بالأولى عن حرف العطف كقوله سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ونحو ذلك .
ثم عاد الكلام إلى الرد على مشركي العرب فقال سبحانه «فاستفتهم» أي سلهم واطلب الحكم منهم في هذه القصة «ألربك البنات ولهم البنون» أي كيف أضفتم البنات إلى الله تعالى واخترتم لأنفسكم البنين وكانوا يقولون إن الملائكة بنات الله على وجه الاصطفاء لا على وجه الولادة «أم خلقنا الملائكة إناثا» معناه بل خلقنا الملائكة إناثا «وهم شاهدون» أي حاضرون خلقنا إياهم أي كيف جعلوهم إناثا ولم يشهدوا خلقهم ثم أخبر عن كذبهم فقال «ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله» حين زعموا أن الملائكة بنات الله تعالى «وإنهم لكاذبون» في قولهم «أصطفى البنات على البنين» دخلت همزة الاستفهام على همزة الوصل فسقطت همزة الوصل ومثله قول ذي الرمة:
استحدث الركب من أشياعهم خبرا
أم راجع القلب من أطرابه طرب والمعنى كيف يختار الله سبحانه الأدون على الأعلى مع كونه مالكا حكيما ثم وبخهم فقال «ما لكم كيف تحكمون» لله بالبنات ولأنفسكم بالبنين «أفلا تذكرون» أي أفلا تتعظون فتنتهون عن مثل هذا القول «أم لكم سلطان مبين» أي حجة بينة على ما تقولون وتدعون وهذا كله إنكار في صورة الاستفهام «فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين» المعنى فأتوا بكتابكم الذي لكم فيه الحجة «إن كنتم صادقين» في قولكم والمراد أنه دليل لكم على ما تقولونه من جهة العقل لا من جهة السمع «وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا» اختلف في معناه على أقوال (أحدها) أن المراد به قول الزنادقة إن الله وإبليس إخوان وأن الله تعالى خلق النور والخير والحيوان النافع وإبليس خلق الظلمة والشر والحيوان الضار عن الكلبي وعطية (وثانيها) أنه قول المشركين إن الملائكة بنات الله وسمي الملائكة جنة لاستتارهم عن العيون عن مجاهد وقتادة والجبائي (وثالثها) أنهم قالوا صاهر الله الجن فحدثت الملائكة تعالى الله عن قولهم (ورابعها) أنهم أشركوا الشيطان في عبادة الله تعالى فذلك هو النسب الذي جعلوه