كذب فعل يتعدى إلى مفعول بدلالة قوله:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط
غلس الظلام من الرباب خيالا ومعنى كذبتك عينك أرتك ما لا حقيقة له فعلى هذا يكون المعنى لم يكذب فؤاده ما أدركه بصره أي كانت رؤيته صحيحة غير كاذبة وإدراكا على الحقيقة ويشبه أن يكون الذي شدد أراد هذا المعنى وأكده .
«أفتمارونه على ما يرى» أي أترومون إزالته عن حقيقة ما أدركه وعلمه بمجادلتكم أو أتجحدونه ما قد علمه ولم يعترض عليه فيه شك فإن معنى قوله «أفتمارونه» أتجادلونه جدالا تريدون به دفعه عما علمه وشاهده من الآيات الكبرى ومن قرأ أفتمرونه فمعناه أفتجحدونه ومناة صنم من حجارة واللات والعزى كانتا من حجارة أيضا ولعل منائة بالمد لغة ومن قرأ جنة المأوى يعني فعله يريد جن عليه فأجنه الله والمأوى وهو الفاعل والمعنى ستره وقال الأخفش أدركه وعن ابن عباس قال كان رجل بسوق عكاظ يلت السويق والسمن عند صخرة فإذا باع السويق والسمن صب على الصخرة ثم يلت فلما مات ذلك الرجل عبدت ثقيف تلك الصخرة إعظاما لذلك الرجل .
ثم بين سبحانه ما رآه النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ليلة الأسرى وحقق رؤيته فقال «ما كذب الفؤاد ما رأى» أي لم يكذب فؤاد محمد ما رآه بعينه فقوله «ما رأى» مصدر في موضع نصب لأنه مفعول كذب والمعنى أنه ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم يربل صدقه الفؤاد رؤيته قال المبرد معنى الآية أنه رأى شيئا فصدق فيه قال ابن عباس رأى محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ربه بفؤاده وروي ذلك عن محمد بن الحنفية عن أبيه علي (عليه السلام) وهذا يكون بمعنى العلم أي علمه علما يقينا بما رآه من الآيات الباهرات كقول إبراهيم (عليه السلام) ولكن ليطمئن قلبي وإن كان عالما قبل ذلك وقيل إن الذي رآه هو جبرائيل على صورته التي خلقه الله عليها عن ابن عباس وابن مسعود وعائشة وقتادة وقيل إن الذي رآه هو ما رآه من ملكوت الله تعالى وأجناس مقدوراته عن الحسن قال وعرج بروح محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى السماء وجسده في الأرض وقال الأكثرون وهو الظاهر من مذهب أصحابنا والمشهور في أخبارهم أن الله تعالى صعد بجسمه إلى السماء حيا سليما حتى رأى ما رأى من ملكوت السماوات بعينه ولم يكن ذلك في المنام وهذا المعنى ذكرناه في سورة بني إسرائيل والفرق بين الرؤية في اليقظة وبين الرؤية في المنام أن رؤية الشيء في اليقظة هو إدراكه بالبصر على الحقيقة ورؤيته في المنام تصوره بالقلب على توهم الإدراك بحاسة البصر من غير أن يكون كذلك وعن أبي العالية قال سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) هل رأيت ربك ليلة المعراج قال رأيت نهرا ورأيت وراء النهر حجابا ورأيت وراء الحجاب نورا لم أر غير ذلك