إلى معنى الذي لأنه جنس لا إلى لفظه .
ثم أكد تعالى ما قدمه بما ضرب من الأمثال فقال «يا أيها الذين آمنوا» أي صدقوا الله ورسوله «لا تبطلوا صدقاتكم بالمن» أي بالمنة على السائل وقيل بالمنة على الله «والأذى» بمعنى أذى صاحبها ثم ضرب تعالى مثلا لعمل المنان وعمل المنافق جميعا فإنهم إذا فعلا الفعل على غير الوجه المأمور به فإنهما لا يستحقان عليه ثوابا وهذا هو معنى الإبطال وهو إيقاع العمل على غير الوجه الذي يستحق عليه الثواب فقال «كالذي ينفق ماله رئاء الناس» هذا يدخل فيه المؤمن والكافر إذا أخرجا المال للرئاء «ولا يؤمن بالله واليوم الآخر» هذا للكافر خاصة أي لا يصدق بوحدانية الله ولا بالبعث والجزاء وقيل أنه صفة للمنافق لأن الكافر معلن غير مراء وكل مراء كافر أو منافق «فمثله كمثل صفوان» أي حجر أملس «عليه تراب فأصابه وابل» أي مطر عظيم القطر شديد الوقع «فتركه صلدا» حجرا صلبا أملس شبه سبحانه فعل المنافق والمنان بالصفا الذي أزال المطر ما عليه من التراب فإنه لا يقدر أحد على رد ذلك التراب عليه كذلك إذا دفع المنان صدقة وقرن بها المن فقد أوقعها على وجه لا طريق له إلى استدراكه وتلافيه لوقوعها على الوجه الذي لا يستحق عليه الثواب فإن وجوه الأفعال تابعة لحدوث الأفعال فإذا فاتت فلا طريق إلى تلافيها وليس في الآية ما يدل على أن الثواب الثابت المستقر يبطل ويزول بالمن فيما بعد ولا بالرياء الذي يحصل فيما يستقبل من الأوقات على ما قاله أهل الوعيد «لا يقدرون على شيء مما كسبوا» أي لا يقدر هؤلاء على نفقتهم ولا على ثوابها ولا يعلمون أين النفقة وأين ثوابها ولا يحصلون منها على شيء كما لا يحصل أحد على التراب أذهبه المطر عن الحجر فقد تضمنت الآية والآي التي قبلها الحث على الصدقة وإنفاق المال في سبيل الخير وأبواب البر ابتغاء مرضاة الله والنهي عن المن والأذى والرياء والسمعة والنفاق والخبر عن بطلان العمل بها ومما جاء في معناه من الحديث ما رواه ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال إذا كان يوم القيامة نادى مناد يسمع أهل الجمع أين الذين كانوا يعبدون الناس قوموا خذوا أجوركم ممن عملتم له فإني لا أقبل عملا خالطه شيء من الدنيا وأهلها وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله من أسدى إلى مؤمن معروفا ثم آذاه بالكلام أو من عليه فقد أبطل الله صدقته ثم ضرب فيه مثلا فقال «كالذي ينفق ماله رئاء الناس» إلى قوله «الكافرين» وقال أبو عبد الله (عليه السلام) ما من شيء أحب إلى من رجل سلفت مني إليه يد أتبعته أختها وأحسنت ربها له لأني رأيت منع الأواخر يقطع لسان شكر الأوائل «والله لا يهدي القوم الكافرين» أي لا يثيب الكافرين