أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله الآية فلم يسلم أبو طالب وأسلم وحشي ورووا ذلك عن ابن عباس وغيره وفي هذا نظر كما ترى فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لا يجوز أن يخالف الله سبحانه في إرادته كما لا يجوز أن يخالفه في أوامره ونواهيه وإذا كان الله تعالى على ما زعم القوم لم يرد إيمان أبي طالب وأراد كفره وأراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) إيمانه فقد حصل غاية الخلاف بين إرادتي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) والمرسل فكأنه سبحانه يقول على مقتضى اعتقادهم إنك يا محمد تريد إيمانه ولا أريد إيمانه ولا أخلق فيه الإيمان مع تكفله بنصرتك وبذل مجهوده في إعانتك والذب عنك ومحبته لك ونعمته عليك وتكره أنت إيمان وحشي لقتله عمك حمزة وأنا أريد إيمانه وأخلق في قلبه الإيمان وفي هذا ما فيه وقد ذكرنا في سورة الأنعام أن أهل البيت (عليهم السلام) قد أجمعوا على أن أبا طالب مات مسلما وتظاهرت الروايات بذلك عنهم وأوردنا هناك طرفا من أشعاره الدالة على تصديقه للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وتوحيده فإن استيفاء ذلك جميعه لا تتسع له الطوامير وما روي من ذلك في كتب المغازي وغيرها أكثر من أن يحصى يكاشف فيها من كاشف النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ويناضل عنه ويصحح نبوته وقال بعض الثقات إن قصائده في هذا المعنى التي تنفث في عقد السحر وتغبر في وجه شعراء الدهر يبلغ قدر مجلد وأكثر من هذا ولا شك في أنه لم يختر تمام مجاهرة الأعداء استصلاحا لهم وحسن تدبيره في دفع كيادهم لئلا يلجئوا الرسول إلى ما ألجئوه إليه بعد موته .
لما تقدم ذكر الرسول والقرآن وأنه أنزل هدى للخلق بين سبحانه أنه ليس عليه الاهتداء وإنما عليه البلاغ والأداء فقال «إنك» يا محمد «لا تهدي من أحببت» هدايته وقيل من أحببته لقرابته والمراد بالهداية هنا اللطف الذي يختار عنده الإيمان فإنه لا يقدر عليه إلا الله تعالى لأنه إما أن يكون من فعله خاصة أو بإعلامه ولا يعلم ما يصلح المرء في دينه إلا الله تعالى فإن الهداية التي هي الدعوة والبيان قد أضافها سبحانه إليه في قوله وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم وقيل إن المراد بالهداية في الآية الإجبار على الاهتداء أي أنت لا تقدر على ذلك وقيل معناه ليس عليك اهتداؤهم وقبولهم الحق «ولكن الله يهدي من يشاء» بلطفه وقيل على وجه الإجبار «وهو أعلم بالمهتدين» أي القابلين للهدى فيدبر الأمور على ما يعلمه من صلاح العباد ثم قال سبحانه حاكيا عن الكفار «وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا» أي نستلب من أرضنا يعني أرض مكة والحرم وقيل إنما قاله الحرث بن نوفل بن عبد مناف فإنه قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) إنا لنعلم أن قولك حق ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك ونؤمن بك مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا ولا طاقة لنا بالعرب فقال سبحانه رادا