ثم وصف الله سبحانه حالهم عند استماع القرآن فقال «ومنهم» أي ومن الكفار الذين تقدم ذكرهم «من يستمع إليك» يريد يستمعون إلى كلامك قال مجاهد يعني قريشا «وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا» قد ذكرنا الكلام فيه في سورة البقرة عند قوله «ختم الله على قلوبهم» وقال القاضي أبو عاصم العامري أصح الأقوال فيه ما روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) كان يصلي بالليل ويقرأ القرآن في الصلاة جهرا رجاء أن يستمع إلى قراءته إنسان فيتدبر معانيه ويؤمن به فكان المشركون إذا سمعوه آذوه ومنعوه عن الجهر بالقراءة فكان الله تعالى يلقي عليهم النوم أو يجعل في قلوبهم أكنة ليقطعهم عن مرادهم وذلك بعد ما بلغهم مما تقوم به الحجة وتنقطع به المعذرة وبعد ما علم الله سبحانه أنهم لا ينتفعون بسماعه ولا يؤمنون به فشبه إلقاء النوم عليهم بجعل الغطاء على قلوبهم وبوقر آذانهم لأن ذلك كان يمنعهم من التدبر كالوقر والغطاء وهذا معنى قوله تعالى «وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا» وهو قول أبي علي الجبائي ويحتمل ذلك وجها آخر وهو أنه تعالى يعاقب هؤلاء الكفار الذين علم أنهم لا يؤمنون بعقوبات يجعلها في قلوبهم تكون موانع من أن يفهموا ما يسمعونه ويحتمل أيضا أن يكون سمي الكفر الذي في قلوبهم كنا تشبيها ومجازا وإعراضهم عن تفهم القرآن وقرا توسعا لأن مع الكفر والإعراض لا يحصل الإيمان والفهم كما لا يحصلان مع الكن والوقر ونسب ذلك إلى نفسه لأنه الذي شبه أحدهما بالآخر كما يقول أحدنا لغيره إذا أثنى على إنسان وذكر مناقبه جعلته فاضلا وبالضد إذا ذكر مقابحه وفسقه يقول جعلته فاسقا وكما يقال جعل القاضي فلانا عدلا وكل ذلك يراد به الحكم عليه بذلك والإبانة عن حاله كما قال الشاعر:
جعلتني باخلا كلا ورب منى
إني لأسمح كفا منك في اللزب ومعناه سميتني باخلا «وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها» يريد وأن يروا كل عبرة لم يصدقوا بها عن ابن عباس وقيل معناه وإن يروا كل علامة ومعجزة دالة على نبوتك لا يؤمنوا بها لعنادهم عن الزجاج ولو أجري معنى الآية على ظاهرها لم يكن لهذا معنى لأن من لا يمكنه أن يسمع ويفقه لا يجوز أن يوصف بذلك وكان لا يصح أن يصفهم بأنهم كذبوا ب آياته وغفلوا عنها وهم ممنوعون عن ذلك والذي يزيل الإشكال أنه تعالى قال في وصف بعض