ثم قال سبحانه للكفار على سبيل التوبيخ لهم «أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات» معناه بل أحسنت وهذا استفهام إنكار وقيل إن هذا معطوف على معنى مضمر تقديره هذا القرآن بصائر للناس مؤدية إلى الجنة أفعلموا ذلك أم حسب الذين اكتسبوا الشرك والمعاصي أن نجعل منزلتهم منزلة الذين صدقوا الله ورسوله وحققوا أقوالهم بأعمالهم «سواء محياهم ومماتهم» أي يستوي محيا القبيلين ومماتهم يعني أحسبوا أن حياتهم ومماتهم كحياة المؤمنين وموتهم «ساء ما يحكمون» أي ساء ما حكموا على الله تعالى فإنه لا يسوي بينهم ولا يستقيم ذلك في العقول بل ينصر المؤمنين في الدنيا ويمكنهم من المشركين ولا ينصر الكافرين ولا يمكنهم من المسلمين وينزل الملائكة عند الموت على المؤمنين بالبشرى وعلى الكافرين يضربون وجوههم وأدبارهم وقيل أراد محياهم بعد البعث ومماتهم عند حضور الملائكة لقبض أرواحهم وقيل أراد أن المؤمنين محياهم على الإيمان والطاعة ومماتهم على الإيمان والطاعة ومحيا المشركين على الشرك والمعصية ومماتهم كذلك فلا يستويان عن مجاهد وقيل إن الضمير في مماتهم ومحياهم للكفار والمعنى أنهم يتساوون في حال كونهم أحياء وفي حال كونهم أمواتا لأن الحي متى لم يفعل الطاعة فهو بمنزلة الميت ثم قال سبحانه «وخلق الله السموات والأرض بالحق» أي لم يخلقهما عبثا وإنما خلقهما لنفع خلقة بأن يكلفهم ويعرضهم للثواب الجزيل «ولتجزى كل نفس بما كسبت» من ثواب على طاعة أو عقاب على معصية «وهم لا يظلمون» أي لا يبخسون حقوقهم ثم قال «أفرأيت» يا محمد «من اتخذ إلهه هواه» أي اتخذ دينه ما يهواه فلا يهوى شيئا إلا ركبه لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه فاتبع هواه في أموره ولا يحجزه تقوى عن ابن عباس والحسن وقتادة وقيل معناه من اتخذ معبوده ما يهواه دون ما دلت الدلالة على أن العبادة تحقق له فإذا استحسن شيئا وهواه اتخذه إلها وكان أحدهم يعبد الحجر فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر عن عكرمة وسعيد بن جبير وقيل معناه أفرأيت من انقاد لهواه انقياده لإلهه ومعبوده ويرتكب ما يدعوه إليه ولم يرد أنه يعبد هواه ويعتقد أنه تحق له العبادة لأن ذلك لا يعتقده أحد عن علي بن عيسى قد أيس الله رسوله من إيمانه هؤلاء بهذا «وأضله الله على علم» أي خذله الله وخلاه وما اختاره جزاء له على كفره وعناده وترك تدبره على علم منه باستحقاقه لذلك وقيل أضله الله أي وجده ضالا على حسب ما عمله فخرج معلومه على وفق ما علمه كما يقال أحمدت فلانا أي وجدته حميدا وكقول عمرو بن معديكرب قاتلناهم فما أجبناهم وسألناهم فما أبخلناهم وقاولناهم فما أفحمناهم أي ما وجدناهم كذلك وقيل معناه أنه ضل عن الله كما قال: