يكونوا مؤمنين» وقيل أنه استأذن ربه في يوم أحد في الدعاء عليهم فنزلت الآية فلم يدع عليهم بعذاب الاستيصال وإنما لم يؤذن له فيه لما كان في المعلوم من توبة بعض عن أبي علي الجبائي وقيل أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن يدعو على المنهزمين عنه من أصحابه يوم أحد فنهاه الله عن ذلك وتاب عليهم ونزلت الآية «ليس لك من الأمر شيء» أي ليس لك أن تلعنهم وتدعو عليهم عن عبد الله بن مسعود وقيل لما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) والمسلمون ما فعل بأصحابه وبعمه حمزة من المثلة من جدع الأنوف والآذان وقطع المذاكير قالوا لئن أدالنا الله منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا بنا ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط فنزلت الآية عن محمد بن إسحاق والشعبي وقيل نزلت في أهل بئر معونة وهم سبعون رجلا من قراء أصحاب رسول الله وأميرهم المنذر بن عمرو بعثهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن والعلم فقتلهم جميعا عامر بن الطفيل وكان فيهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر فوجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) من ذلك وجدا شديدا وقنت عليهم شهرا فنزل «ليس لك من الأمر شيء» عن مقاتل والأصح أنها نزلت في أحد لأن أكثر العلماء عليه ويقتضيه سياق الكلام وإنما قال «ليس لك من الأمر شيء» مع أن له (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن يدعوهم إلى الله ويؤدي إليهم بتبليغهم لأن معناه ليس لك شيء من أمر عقابهم واستيصالهم أو الدعاء عليهم أو لعنهم حتى تقع إنابتهم فجاء الكلام على الإيجاز لأن المعنى مفهوم لدلالة الكلام عليه وأيضا فإنه لا يعتد بما له (صلى الله عليه وآله وسلّم) في تدبيرهم مع تدبير الله لهم فكأنه قال ليس لك من الأمر شيء على وجه من الوجوه وقوله «أو يتوب عليهم» قيل في معناه وجهان أحدهما أو يلطف لهم بما يقع معه توبتهم فيتوب عليهم بلطفه لهم والآخر أو يقبل توبتهم إذا تابوا كقوله غافر الذنب وقابل التوب ولا يصح هذه الصفة إلا لله تعالى لأنه يملك الجزاء بالثواب والعقاب «أو يعذبهم» أي يعذبهم الله تعالى إن لم يتوبوا «فإنهم ظالمون» أي مستحقون للعذاب بظلمهم وفي هذه الآية دلالة على أن ما يتعلق بالنصر والظفر وقبول التوبة والتعذيب فإنما هو إلى الله وليس للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) من ذلك شيء وإنما إليه الهداية والدعاء فكأنه قال لا ترفع عنهم السيف إلى أن يتوبوا فيتوب عليهم أو يقوموا على كفرهم فيعذبهم بظلمهم .
وَ للَّهِ مَا في السمَوَتِ وَ مَا في الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ وَ يُعَذِّب مَن يَشاءُ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (129)