لم تروها» من الملائكة وقيل إن الملائكة لم يقاتلوا يومئذ ولكن كانوا يشجعون المؤمنين ويجبنون الكافرين «وكان الله بما تعملون بصيرا» من قرأ بالتاء وجه الخطاب إلى المؤمنين ومن قرأ بالياء أراد أن الله عالم بما يعمله الكفار ثم قال «إذ جاءوكم» أي واذكروا حين جاءكم جنود المشركين «من فوقكم» أي من فوق الوادي قبل المشرق قريظة والنضير وغطفان «ومن أسفل منكم» أي من قبل المغرب من ناحية مكة أبو سفيان في قريش ومن تبعه «وإذ زاغت الأبصار» أي مالت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى عدوها مقبلا من كل جانب وقيل معناه عدلت الأبصار عن مقرها من الدهش والحيرة كما يكون الجبان فلا يعلم ما يبصر «وبلغت القلوب الحناجر» والحنجرة جوف الحلقوم أي شخصت القلوب من مكانها فلو لا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت عن قتادة وقال أبو سعيد الخدري قلنا يوم الخندق يا رسول الله هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر فقال قولوا اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا قال فقلناها فضرب وجوه أعداء الله بالريح فهزموا قال الفراء المعنى في قوله «بلغت القلوب الحناجر» أنهم جبنوا وجزع أكثرهم وسبيل الجبان إذ اشتد خوفه أن ينتفخ سحره والسحر الرئة فإذا انتفخت الرئة رفعت القلوب إلى الحنجرة «وتظنون بالله الظنونا» أي اختلفت الظنون فظن بعضكم بالله النصر وبعضكم آيس وقنط وقيل تظنون ظنونا مختلفة فظن المنافقون أنه يستأصل محمد وظن المؤمنون أنه ينصر عن الحسن وقيل إن من كان ضعيف القلب والإيمان ظن ما ظنه المنافقون إلا أنه ذلك وقيل اختلاف ظنونهم أن بعضهم ظن أن الكفار تغلبهم فظن بعضهم أنهم يستولون على المدينة وظن بعضهم أن الجاهلية تعود كما كانت وظن بعضهم أن ما وعد الله ورسوله من نصرة الدين وأهله غرور فأقسام الظنون كثيرة خصوصا ظن الجبناء .
اتصل قوله «النبي أولى بالمؤمنين» بقوله وما جعل أدعيائكم أبناءكم فإنه سبحانه لما بين أن التبني عليه لا يجوز بين عقيبه أنه مع ذلك أولى بالمؤمنين من أنفسهم من حيث إنه ولاه الله أمرهم فيلزمهم طاعته والانقياد له وأصل الولاية لله تعالى كما قال هنا لك الولاية لله فلا حظ فيها لأحد إلا لمن ولاه سبحانه وإلى هذا المعنى أشار النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) يوم الغدير في قوله ألست أولى بكم منكم بأنفسكم فلما قالوا بلى قال من كنت مولاه فعلي مولاه والمولى بمعنى الأولى بدلالة قوله مأواكم النار هي مولاكم أي أولى بكم وقول لبيد:
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه
مولى المخافة خلفها وأمامها